نخرج من بطون أمهاتنا لندخل إلى الدنيا، عالم جديد غير الذي عشناه وألفناه على مدى تسعة أشهر.. ندخل الدنيا بفطرة ربانية سوية، ندرك بها أننا جزء لا يتجزأ من منظومة كونية.. منظومة ليس فيها حواجز وهمية كالتي صنعتها الإنسانية، فتسبح أرواحنا بانسجام مع كل ما حولنا من مخلوقات كونية، وتبدأ حواسنا بالعمل لتقودنا في رحلتنا الأرضية، نتعرف بها على غيرنا قبل أن نتعرف بها على أنفسنا، فكل حواسنا موجهة للخارج. عين ترى الأشياء من حولي وأذن تسمع أصوات غيري، ونبدأ رحلة تكوين صورة ذهنية عن ذواتنا، وهي نتاج رؤية مَن حولنا لنا، نرى أنفسنا في أعين أقرب الناس إلينا، فإن رأوا فينا ذكاءً وجمالاً وصلاحاً كانت هذه هي الصورة الذهنية التي نرسمها لأنفسنا، فما نحن في تلك الآونة من عمرنا إلا انعكاس رؤية أقرب الناس إلينا، إنها صورة ذهنية وهمية من صنع أفكارنا لما نقرأه في أعين غيرنا.

إنها الأنا (الذات الوهمية) بدأت بالتكون في مرحلة مبكرة من أعمارنا، ولكن هل صورة الذات هذه هي بحق من نكون؟ أم أن هناك ذاتاً أخرى حقيقية تكمن هناك في الأعماق ترقب وتعي وتدرك أن الذات الحقيقية التي تحمل النفخة الربانية أكبر وأعظم وأقدس من أن تجسد في صورة ذهنية وقوالب طينية.

إنها التي ذكرها الرحمن في قوله: "وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي".. ويبدأ الصراع بين ذاتين، بين صورة ذهنية ولكنها في أعين صاحبها والناس مرئية، وذات أخرى حقيقية ولكنها مغمورة في الأعماق منسية، ويستمر الصراع.

كم يسأل الطفل نفسه مراراً: من أنا؟ شيئاً فشيئاً نعيش مع المرئي المعترف به من قِبل غيرنا ونهمل ذواتنا الحقيقية لتغوص أكثر فأكثر في الأعماق فيخفت صوتها ويندثر أثرها، ونعيش ما تبقى من عمرنا مع صورة ذهنية للذات مع الأنا، ولأننا ندرك في أعماقنا أن هذه الصورة للذات ذهنية وهمية، فإننا ندرك كذلك ضعفها وهشاشتها وحاجتها للحماية والدفاع عنها، خوفاً من أن ينكشف زيفها ولا نجد ذاتاً أخرى نختبئ وراءها، وهنا يكمن منشأ كل الأمراض الإنسانية. من أنا؟ قد لا تكون من تظن أنك أنت، أنت لست ممتلكاتك ولا ملكاتك، أنت لست تعليمك ولا شهاداتك، أنت لست مهنتك ولا حرفتك، أنت لست تاريخك الأسري وعلاقاتك ومكانتك الاجتماعية، أنت لست شكلك الخارجي ولا حتى آراءك. قد تجد هذا الكلام غريباً قد تجده مخيفاً أو مريحاً، ولكن إذا كنت لا تصدق ذلك الآن فإنك حتماً ستصدقه قريباً شئت أم أبيت.. ستصدقه وتدركه وتعيه وتتيقن منه على فراش الموت.. الموت سيجردك ويعريك من كل شيء هو ليس أنت، يجردك من كل الأشياء التي لا تعدو إلا أن تكون صوراً وأشكالاً من صنع الذات الوهمية، من الأنا.

ولذلك قيل إن سر الحياة هو أن تموت قبل أن تموت، لتدرك أنه ليس من موت، أي أنك تميت هذه الأنا في قلبك في هذه الدنيا وتعيش مع ذاتك الحقيقية التي أودعها الله النفخة الربانية فترجع إليه سبحانه بنفس مطمئنة راضية مرضية، وبذلك تنتقل بها ومعها إلى الدار الأبدية.

إن جل أمراض النفس وفساد الأرض والبر والبحر مصدره الأنا. إنها الأنا التي أخرجت إبليس من الجنة عندما قال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)، إنها الأنا التي أغرقت فرعون عندما قال (أنا ربكم الأعلى)، إنها الأنا التي خسفت بقارون الأرض عندما قال (إنما أوتيته على علم عندي)، إنها الأنا التي أحاطت بصاحب الجنتين عندما قال (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً). الأنا هي عدوك الحقيقي.. هي مصدر شقائك ومعاناتك.. هي عقبتك الكأداء التي تحول بينك وبين أن تحيا حياة طيبة مع ذاتك الحقيقية، الأنا ملأت حياتك كلها فلم تترك حيزاً لذاتك الحقيقية أن تكون.. ضيقت عليها حتى لم يبق منك إلا الأنا التي ستخلعها على فراش الموت.

الأنا أنستنا أننا جميعاً خلقنا من نفس واحدة، أننا جزء لا يتجزأ من هذا الكون الفسيح، أننا جزء من تدبير كون متقن بديع. الأنا أنستنا أن حبنا لكل ما حولنا هو أسمى صور حبنا لربنا وأصدق صور حبنا لأنفسنا، وحبنا لذواتنا الحقيقية لا يكون إلا بحبنا لكل ما حولنا، فالجزء لا ينفصل عن الكل. الأنا أوهمتنا أننا منفصلون عن بعضنا، وبهذا الفهم الخاطئ يأتي الشعور بالخوف على هذه الأنا.. كل أمراض الفرد والأسرة والمجتمع والعالم أجمع مصدرها ومنشؤها وهم الأنا.

توتر وغضب.. بغض وحسد.. بخل وجشع.. خداع وكذب.. يأس وقنوط.. عنف وقسوة.. ظلم وإجرام، بل إن (الأنا) الجمعي أشد حمقاً وإجراماً. قتل إنسان القرن العشرين أكثر من مائة مليون إنسان وما زال القتل مستمراً، إن حالة اللا وعي التي يعيشها إنسان اليوم ستؤدي لا محالة إلى مزيد من القتل والتدمير، فلا عجب أن يعتقد كثيرون أن الإنسانية لن تكمل مائة عام أخرى إلا وقد فتك الإنسان بالإنسان ودُمرت الأرض، إلا أن يستيقظ الوعي البشري، فنعي وندرك بذواتنا الحقيقية أننا خلقنا من نفس واحدة بنفخة ربانية.. وأننا كائنات روحانية في قوالب طينية وتجربة أرضية.. وأن ارتباط مصائرنا ببعضنا قضية حتمية محكمة بسنن ربانية.

أن نراقب الأنا.. أن نراقب أفكارنا وعواطفنا وكل الأشكال والصور الذهنية بعين ذواتنا الحقيقية، أن نوجد تلك المساحة بين وعينا وبين أفكارنا وعواطفنا، وبذلك نتحرر من أسر التماهي أو التعلق أو تعريف الذات من خلال أي شيء غير الذات الحقيقية، وتعود سيادتنا على العواطف والأفكار.. بعد أن ذقنا مرارة تبعاتها.. من قتل وفتك ودمار.

إنها يقظة الوعي الفردي والجمعي، إنها ثورة عصر جديد في يقظة وتطور الإنسانية، لنسترد بها أغلى وأقدس ما فينا وما سرق منا في عصر الثورة الصناعية والمعلوماتية، إنها يقظة لا مفر منها، فالبديل تدمير كامل للإنسانية، إنها ثورة استرداد وعينا بذواتنا الحقيقية.

إنها رحلتك ورحلتي ورحلتنا جميعاً.. إنها غايتك وغايتي وغايتنا جميعاً.. إنها سفينة نجاتك ونجاتي ونجاتنا جميعاً.