أحمد قران الزهراني قيثارة الذاكرة الثقافية وتجلياتها الأحلى، ومحرك سكونها الهاجع كرماد الأساطير، جاء في الزمن الأصعب ليهز أغصان النهار في الفضاء الحالك، ولينسرب في الطرقات الفظة كالصبح المنعقد على النوافذ، وهسيس الغمام الراكض على ضفائر الغلس. بدأ منذ يومه الأول في زحزحة الإيقاع المبحوح داخل "تخت" الثقافة، وضبط حركة المرور في شارع الأدب، في محاولة لتخليص المشهد من الترهلات والإرهاصات والحرائق التي كادت أن تعصف بالخطاب المعرفي. إن شاعرية قران الفائضة والجاذبة وفرادة إبداعه لم تستطع إخفاء صرامته دون غلواء، فمن خلال متابعتي لما يقوله وما يفعله لمست رغباته وتطلعاته واشتغالاته وعنواناته المستقبلية الثرية. كلفني صديق حاد الطبع يحب افتعال الخصومة، أن أنقل للدكتور قران حوارا دار بيني وبينه في مساء فندقي، حيث بدأ حديثه باتهامي بـ: "العمالة المزدوجة"، فكيف أكون عضو جمعية عمومية وأحضر فعاليات ومسامرات وندوات النادي، وأجلس جوار أعضاء إدارة أبطل القضاء شرعيتها؟
قلت: إنني عضو "مستقل" لا تلزمني عضويتي بطروحات خارج مسكوكات وأعراف اللائحة، أما الأعضاء فما هي جريرتهم، ألم نكن نصرخ وبصوت واحد في مساء تلك الانتخابات الصاخبة بأننا لا نعترض على أبنائنا المنتخبين ولكننا نعترض على الآلية وطريقة الانتخاب؟ لم يستسغ حديثي الذي شم فيه رائحة "الخيانة" كما يقول، وعاد ليؤكد أن الإدارات الحالية في كل الأندية سيعودون مرة أخرى في الانتخابات القادمة حتى ولو كانت "ورقية"،. قلت له: وما أدراك بهذا التوهم واستجلب لك هذا التبصر وقراءة الفنجان وضرب الودع؟ حتى ولو عادوا فأربع سنوات كافية للاصطلاء بنار المزاجية والشحن النفسي وصراع الرغائب. قال: لقد بدأ الدكاترة وبالذات الذين أفسدوا ثقافتنا باستتباع طريقة التملق لطلابهم، وإقامة أمسيات وطبع مؤلفات تسويقية وإغراء الآخرين بالامتيازات والدعوات وحضور المعارض والمهرجانات ليكسبوا أصواتهم في الانتخابات. قلت: هل تريد الأندية أن تتوقف فعالياتها ونشاطاتها وتقفل أبوابها لكي تسلم من اتهاماتك الفاضحة وتعسفاتك المنكفئة؟، قال: لدي اقتراح للدكتور قران، لماذا لا تلغى مكافآت أعضاء مجالس الأندية الأدبية أسوة بالأندية الرياضية، ومؤسسات المجتمع المدني، لنرى من فيهم يعمل ويسعى لوجه الثقافة أو للارتزاق؟ قلت: استكثرت على مجلس الإدارة "العشرة" مبلغا شهريا يعادل ما أنفقته "نزاهة" على حفل "شاي" في ليلة واحدة. قال: هل سترشح نفسك للإدارة القادمة؟، قلت: أليس من حق أبنائنا وهم يمثلون نبض اللحظة، والانفتاح الثقافي داخل التجربة الحديثة، ومراعاة التحولات في الذائقة التجديدية، والانسجام مع الحس المجتمعي المعاش، أن نوسع لهم الطريق ليعبروا ويأخذوا دورهم بعيدا عن العناد المعرفي والتشبث القسري، وشهوة الحضور الأبدي؟ وسألته: وأنت؟ قال: نعم سأترشح وسأفوز، قلت: بلا مكافأة، قال: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق!