من سفوح جبل "قيس" بمنطقة جازان، إلى سفوح "منى"، شد السبعيني جابر قيسي وابناه صالح وعيسى رحالهم، مصطحبين إحرامهم للانضمام إلى ركب ضيوف الرحمن.
جابر الذي بدت على وجهه تجاعيد الزمن، كان ينظر بابتسامة اختلطت بالحنين، وبادرنا بسؤال عن كيفية تغير هذه الأرض، سألناه لماذا؟، فأجاب: لا أنسى أول حجة لي قبل 52 عاما، وأشار إلى "ابنيه" اللذين حط البياض على رؤوسهما، قائلا: حججت قبل أن يولدا، وكنت حينها في ريعان الشباب، ذكريات لا تُنسى، بعت حينها كل ما أملك من ماشية وعدة وعتاد، خشية ألا أعود من حيث ذهبت، حيث كان الحج في الماضي ينطبق عليه المثل الشهير (الداخل مفقود والخارج مولود)، واتجهت مع قوافل الحجيج، ولم نصل إلى هذا المكان في "عرفة"، إلا وقد هلك جزء منا بسبب وعورة الطرق وما نواجه من مصاعب حينها لا تعد ولا تحصى.
وتوقف الحاج جابر عن الحديث قائلا "الحمد لله على نعمه"، ثم مضي يصف المشاعر المقدسة قبل 52 عاما، قائلا "كان الحصى ثوبها والتراب قرارها والجبال ظلالها، وقطعان من الماشية ترعى حول الجمرات، وحظائر أخرى بها أغنام لشراء الهدي والأضاحي.
وأضاف "نذهب إلى الحرم لإتمام مناسكنا، الكل منا يبحث عن الماء، والمتوافر حينها كان زمزم فقط، الذي لا نجده إلا في هذا المكان، بالفعل كان الحج في تلك المرحلة رحلة شاقة وعرة"، أما اليوم فيصف جابر رحلة الحج بـ"النزهة"، مشيرا إلى أنها عبر وسائل مكيفة سريعة، حافلات وقطارات، ومخيمات يكتنفها الظل والغذاء.
وعن حال المشاعر المقدسة وكيف ينظر لما طرأ عليها من تغيرات، يجيب "فراق طويل دام 52 عاما بيني وبين المشاعر المقدسة، كل شيء تغير وتطورت وتوسعت، ها أنا أعود إليها مع أبنائي وكأني لا أعرفها من شدة ما تغيرت"، وبادر العم جابر إلى ختم حديثه بقوله "لو يعلم شباب اليوم ما كنا عليه من مشقة في الحياة وقارنوها بما يعيشونه اليوم، لأدركوا الفرق"، داعيا الأجيال الجديدة للحفاظ على النعمة وشكرها، وتقدير الرجال الذين سهروا وتعبوا لتحقيقها، وداعيا الله أن يديم على هذا الوطن وقادته العز والسلام والإسلام.