كلما اندفعت بالتفاؤل، سحبتك الأيام إلى مناطقها الرمادية، وحين تقرر اعتزال الشائع ومصادقة المبهج والزاهي المندفع للحياة والجمال, تقتحمك الأخبار وتحتلك الفجائع وتلوثك المحبطات، تقرر حذف التفاصيل الزائدة والاهتمام بما يعنيك وتحب، تدع العالم وشأنه يرقد بسلام لترقد بسلام كائنا شديد العزلة، تتحول رغبتك إلى أمنية مستحيلة، بعيدة كنجم في مدار، تستسلم وتسلم قيادك للعام والمتداول واليومي، تطرق النشرات والأخبار رأسك بقوة، تحول روحك لجدارية هائلة لتعليق الملصقات ومنشورات الدعاية والتأجيج للأوضاع والتطورات المشيعة لليأس المسوقة لليباس، فتعتلي الضغينة وتتأثث في كل زاوية من زواياك حقول القتل وحدائق الفوضى. ينخرط العالم في ورشة هائلة للتنمية والتطور وابتكار الأفكار والوسائل، بينما ـ ويوما بعد آخر ـ يزداد انغلاق دائرة الضياع حول المنطقة وفيها، تنبعث من أعماق التاريخ كل الثارات وتستدعى الجدليات التي لا تنتهي ولا تموت. كل يوم ننتج شكلاً مختلفاً ونادراً من الحروب والكوارث والصراعات غير المسبوقة، من أفغانستان إلى المغرب ومن لبنان ففلسطين واليمن والعراق ودارفور وسورية وليبيا، نقدم للدنيا "كتالوجاً" من الحروب والصراعات والانتحارات، لا يُعرف فيها منتصرٌ ولا مهزوم، لا أحد يدري مع من، وضد من، كرة لهب تتقاذفها الأيادي، أحزمة فقر وجيوب أزمات، وعاطلون، وأفكار مفخخة، وتنظيمات فوضوية، متعصبون مأزومون يهجسون بأفكار سوداء، يتحدثون بأبجديات الكراهية والفرقة والتقسيم والانقسام واحتكار الحقيقة، الحقيقة التي تعيش "دياسبورا" في صحراء الشرق الأوسط الحارقة المفعمة بخرائط الإثنيات ومنمات القوميات والمذاهب، وبذور الصراع التي لا تموت، من بين كل أمم الأرض، نجتر الماضي، ونستهلك الندم، ونصوغ المستقبل باليأس والحسرة، نعيش استثناءً وهامشاً، مشغولين بالجدل، مدمني تاريخ، ومستوردي تفاصيل، همسنا صراخ، ونقاشنا عراك، ووجهات نظرنا قطعية، اختلافنا شتيمة، ظننا مدبب، ونوايانا شكية، نتحمل وزر العالم ومصالحه، عاجزون عن فك أحجية الفراغ القاتل وأقفال الموت الأبدية، نمضي للمجهول بابتسامات واثقة، تفوتنا الدنيا بينما نستجدي على رصيف الأزمنة مرغمين دون خيارات ولا بارقة أو وميض يحيي الأمل ويشيع الحلم، جامدون في عصر السرعة، متخلفون في زمن الحضارات، قمعيون نعلي القوة ونحتقر الجدية، ما حولنا إلا الموت والتقسيم والتهجير والمجازر والتناحر اللفظي والاستقطابات، قابليتنا الفطرية لشطب الكل والعودة إلى جذور الغرائز والنزعات مستفزة وهائلة، ننام على المذبحة ونستيقظ على المجزرة، نتناول نشرات الأخبار كحبوب مهدئة، تركض شعوب الأرض في سنوات قليلة نحو الحداثات والابتكار، تتبارى في إنتاج المستحيل وملامسة المعجز والخيالي، تصعقنا بمنتجاتها اللانهائية وأفكارها الثورية في التنمية والحياة، بينما نتجادل في البديهيات معيدين اكتشاف المكتشف وحسم المحسوم. إنها دائرة الفراغ الأبدية التي تعيدنا لتلمس أنفسنا شعوبا ومجتمعات، وقبل ذلك أفكارا ومشاريع إنسانية، هل نحن استثناء من قاطرة الحياة هذه؟ هل في تكويننا ما يمنعنا من العيش بسلام وهدوء كما شعوب الدنيا؟ هل نحن قوم يغرينا الدم وتمتحننا العصبيات؟ أحيانا أكاد أستسلم لولا الأمل وبشارات الحياة التي تومض في أطفالنا وأحبائنا وأصدقائنا وما ينجز من كتابة.