على خلاف حياته التي امتدت 77 عاما ، قضى منها أكثر من نصف قرن في المشهد الشعري العربي، في شبه عزوف عن المنابر، وصخب المبدعين، أثار بعد موته في الساحة المحلية السعودية الشاعر اللبناني أنسي الحاج الذي ساهم عام 1957 إلى جانب الشاعرين يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة "شعر"، جدل ما بعد الموت، ففي الوقت الذي اشتعلت فيه مواقع التواصل الاجتماعي منذ إعلان رحيل الحاج أحد رواد قصيدة النثر أول من أمس جراء إصابته بمرض السرطان، راح كثير من المثقفين والشعراء يستعيدون نتاجه، بعرض مقاطع من شعره، وإبداء الأسف لموته، مما دفع الناقد محمد العباس إلى انتقاد الظاهرة والتهكم بهذه الاستعادة، عبر صفحته في الفيس بوك قائلا: "بمجرد أن أعلن عن وفاته، انتبه يتامى قصيدة الملاعين من رقدتهم. هربوا من المصحات وخرجوا من المعازل. وكما الثكالى صار كل واحد منهم يتمتم بعبارة (أُنسية) مستلة من الذاكرة أو منسوخة من جوجل لعله يصحو من غفوته الأبدية. ثمة مناحة فيسبوكية موصولة بمأتم كبير في الصحافة العربية". هذا الرأي لم يرق للشاعر الشاب عناد الدوسي، الذي انبرى للعباس قائلا: "من له الحق أن يمنعنا أن نبكي شاعر مثل أنسي الحاج؟ إن موت شاعر يعني نقص نجمة في النظام السماوي. وشاركه في التصدي الشاعر الشاب إبراهيم مبارك بقوله: "لنا أن نحبه ونقرأه ونفهمه كما نريد، ولك أن تقول ما تريد .. وإذا كانت لك مبرراتك المنطقية في عدم دخول هذه المناحة على حد قولك فعلى الأقل كان عليك أن تحترم عواطف الآخرين وعدم اتهامها بالزيف أو أن هناك من لم يقرأه حقاً.

حدة الشعراء الشبان، قابلها رأي أقل حدة وأكثر هدوءا للشاعر الشاب محمد سيدي الذي قال: ظاهرة الإهمال والتهميش التي تطال المثقفين والمبدعين العرب عادة، هي مسؤولية الحكومات والأنظمة والمؤسسات الثقافية والإعلامية بالدرجة الأولى، وليست مسؤولية الشعوب المغلوبة على أمرها، وهي كذلك ليست مسؤولية المثقفين بوصفهم أفرادا لا حول لهم ولا قوة، ولا قدرة لهم على فعل شيء ذي قيمة في هذا الصدد، ما خلا بعض الاجتهادات البسيطة التي لا تقدم كثيرا أو تؤخر، في حين يقع قدر كبير من المسؤولية على عاتق الكفاءات النقدية الفاعلة، والقادرة على تقديم تلك التجارب الإبداعية ودراستها وتقريبها للقراء، .. ومن هذه المنطلقات كلها أقرأ ما جرى بالأمس ويجري اليوم، على أنه نوع من الحفاوة بشاعر ومثقف كبير وأسلوب من أساليب توجيه التحية لروحه العظيمة، والتلويح لها بالوداع وهي تغادر عالمنا الكالح والكئيب، وعليه فالمسألة إيجابية من هذه الزاوية حتى لو جاءت متأخرة أو بعد فوات الأوان، وهي علامة من علامات القدرة على التفاعل والتعاطي الحيوي والحضاري مع هكذا ظروف ومناسبات، وليست بالضرورة استيقاظا متأخرا أو صحوة مفاجئة، أو محاولة لاستغلال اللحظة أو استثمارها لتحقيق مكسب شخصي ما.

أنسي الحاج الذي عمل في الصحافة، وتولى رئاسة تحرير صحيفة "النهار" اللبنانية بين العامين 1992 و2003. أصدر ستة دواوين شعرية هي "لن" (1960)، و"الرأس المقطوعة" (1963)، و"ماضي الأيام الآتية" (1965)، و"ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة؟" (1970)، و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" (1975)، و"الوليمة" (1994).