حينما يطلب مني أن أسامح، تكون الإجابة جاهزة "لست ملاكاً"، فتتململ الأصوات حولي، لكني أشعر بقوة الأنثى وأنا أقول هذه العبارة القصيرة، أجدني في حالة استثنائية، أشعر عميقا بوجودي الحقيقي المطلق، ثمة شيء ما يدفعني لأني أصم أذني عن كل ما يقال أمامي، عن قيم التسامح وفضائل الصفح، والأجر الكبير الذي ستحفل به صحيفتي الآخروية، لذا، سريعا ما تتهشم الأصوات قبل أن تصلني، وقبل أن تخترقني من الداخل، كل الأصوات المليئة بالعتابات الحامضة تذوب قبل أن تصل إلى أذنيّ، وأقول في خاطري وأنا أفتح باب قلبي وأشرع نوافذه، وأملأ صدري بغموض بحر مدينتي الساحلية، "لستُ ملاكاً كي أغفر وأسامح خلال مائتين وعشرين ثانية"، لأن كل ما يحتاجه المرء في تلك اللحظة هي المساحة التي يشعر فيها بالغضب والحزن لنفسه، الذاكرة المجروحة التي لن يورثها إلى أحد وهو يتعاطى فكرة الشعور بالظلم لأيام، نحن نحتاج بين حين وآخر لأن نمارس القسوة على الآخرين، لكبح جماح سلطتهم، ومواجهة حساسية ظنونهم تجاهنا.
أعترف بشجاعة أني ضد فكرة المصالحة السريعة، تلك التي لا تعطي للنفس حقها من الغضب، فالغضب مهم جداً رغم رطوبته المرضية، والحزن أيضاً مهم في حدود، والفرح مهم هو الآخر ولكن دون تجاوز، لذا، اعتدت على أن أعطي نفسي تلك الفرصة البهية، في أن تأخذ ما تريد من الحزن على ألا يطول، وأسعى لكي أدلل تلك الروح الطيبة لكي تكون أجمل وأكثر نقاء وصدقا أمام نفسها قبل الآخرين، لذا فلا بأس أن تعرف أنني لا أسامح سريعا، ولكن ما أن أسامح فيعني ذلك أنه لم يتبق في قلبي مثقال ذرة، وهنا أنثر كل ما علق في ذهني وجسدي من ليالٍ قاتمة حزينة، علمتني طقوس عدم الصفح المبكر.
وفي صباح قريب كنت أقرأ خبر إسدال الستار على عملية خطف السفير الأردني فواز العيطان، الذي تم اختطافه في ليبيا، وقد أطلق سراحه من قبل مجموعة ليبية مسلحة، في مقابل الإفراج عن سجين ليبي سبق أن أدانه القضاء الأردني بالإرهاب، لتنتهي بذلك معاناة السفير التي استمرت لـ28 يوما. ما أعجبني في الخبر ولفت انتباهي، الاحتفاء الذي أقامته قبيلة السفير لهُ، حيث نصبت خيمة كبيرة لاستقبال آلاف المهنئين الذين توافدوا من مختلف أنحاء الأردن، وأنا لدي ضعف لا يمكن وصفه أمام الأسرة والقبيلة والجيران والعشيرة، كل هذه المسميات تصرعني، تجعلني أنخرط في لذة من المشاعر لا مثيل لها، تهزني من الداخل والخارج، وغصبا علي تخرج الدموع من عيني، أحب ذلك الشعور العميق بالامتداد للوطن للقبيلة للأسرة، ولطالما بكيت أنني لم أعش تلك الحقبة الزمنية التي عاشها إخوتي الذين يكبرونني بعقد من السنين، حينما كانت أسرتي تسكن في بيت الجد الأكبر، حيث كان لكل متزوج بيت يلتصق ببيت الآخر، لا يفصلهم عن بعضهم البعض سوى حائط وهمي.
الأجمل من كل ذلك ليس "المنسف الأردني" الذي قدّمته أسرة العيطان للزائرين، تعبيراً عن فرحها بوصول ابنها سالما، ولكن التسامح الكبير الذي أظهره السفير فواز تعليقا على ظروف اعتقاله حينما قال" كنت في سجن اختاره لي القدر وكان السبب حرية أحد المعتقلين الليبيين، وهو الجهادي محمد الدرسي، الذي كان مسجونا لدى الأردن منذ أكثر من 7 سنوات، الحادثة كانت منعزلة تخص عائلة معينة كانت تعتقد -وربما اجتهدت وأخطأت- أن اختطافي هو الحل الأمثل لإطلاق سراح ولدها، والحمد لله عدت إلى أحضان أهلي ووطني وعاد الأخ الدرسي إلى أهله ووطنه".
وتوقفت طويلاً أمام هذه العبارة التي أطلقها السفير بدبلوماسية مؤثرة، قائلاً "قبل مغادرتي طرابلس، كنا سعيدين لأن كل واحد منا عاد إلى عائلته بطريقة رائعة جداً لم يحدث فيها أي مضاعفات، وتعانقنا أنا وهو وتمنيت لهُ كل الخير" واستطرد: "عائلة الدرسي عائلة مجاهدة قدمت للثورة الليبية عدداً من الشهداء"، بالفعل أن تكون سفيراً أمر ليس بالسهل، أن تكون حكيما فيما تقوله للإعلام يحتاج إلى حنكة ومهارة فواز العيطان، ولكن أن تكون كريما ومتسامحا ومتصالحا مع نفسك لهذا الحد، بالنسبة لي أجده أمرا في غاية الصعوبة، لكن العيطان فعل ذلك بمهارة شديدة، إنه يستحق تلك الإنسانية المزروعة بداخلنا ويتجاهلها الكثيرون منا، أن تتسامح مع مختطفيك لهو أمر يجعلك ترتقي عن أمور كثيرة قادمة في حياتك، أن تحتضن من كان السبب في اختطافك، أظن هذا يجعلني أشعر بأني ضعيفة أمام هذا التقدم الهائل في طريقتك للحياة وطريقة تفكيرك العميقة جداً.
شكراً للسفير العيطان فقد أعطيتني درسا جميلا في صباحي هذا.