يعتقد البعض أن إنسان شبه الجزيرة العربية حديث عهد بالنعمة، وأن التحولات التي طرأت على إنسان هذه البلاد كانت بسبب النفط لا غير، غير أن الشواهد على أرض الواقع وما أثبتته الحقائق والتسلسل الزمني للأحداث والوقائع تؤكد أن إنسان هذه الجزيرة عاش طوال تاريخها حياة كريمة، فجغرافية الجزيرة العربية هي مركز طرق التجارة العالمية والجزيرة العربية كانت واحة خضراء، فالمملكة وريثة لحضارات عظيمة قامت على الجزيرة العربية.

ويعتقد البعض أن معرض روائع آثار المملكة عبر العصور والذي انطلق في نسخته الرابعة في أميركا هو عرض للقطع الأثرية والمكتشفات الحديثة التي يتم العثور عليها من قبل فرق بحث عالمية حضرت خصيصاً للبحث عن آثار قديمة فقط، لكن الواقع أن هذه المعارض تتجاوز هذه الأهداف وغيرها لتشكل نافذة لرؤية المملكة من زاوية أخرى، وفهم الامتدادات التاريخية والجذور التي تقوم عليها كوريثة لحضارات عظيمة قامت على الجزيرة العربية، وكحاضنة للحرمين الشريفين، وأنها قلب الإسلام الذي انتشر نوره لأصقاع الدنيا وأثّر في جميع الثقافات والحضارات التي أتت بعده، وصار اليوم أسرع الأديان انتشارا في العالم رغم ما اعتراه من محاولات فاشلة لتشويهه، ومن محاولات لتقديمه للعالم بطريقة لا تمت لروحه السمحة بصلة، ولا تمثل الدين الذي احترم الحضارات التي قبله وتعايش مع الأفكار والديانات الأخرى بانفتاح وتقبل.

هذا الفهم لتعاقب الحضارات والأدوار التي مثلتها دائما الجزيرة العربية عبر العصور يقودنا لفهم الدور الطبيعي الذي تقوم به المملكة اليوم في الشؤون العالمية ونشر السلم وإحقاق الحق وريادة الحوار بين الحضارات وأتباع الديانات في العالم، ودورها الطليعي في الاقتصاد العالمي بوصفها إحدى دول مجموعة العشرين الأكبر اقتصادا في العالم، وأدوارها في استقرار أسعار الطاقة وضمان توفرها.

هذه النظرة الشمولية للمملكة والإطلالة على تاريخها ومكوناتها الإسلامية والسياسية والاقتصادية في الماضي تقودان لفهم ما تقوم به تحت قيادة ملك محنك يعي أهمية استلهام التاريخ، ملك له رؤية وصاحب قيم يعرفه مواطنوه بحبه لهم وحرصه عليهم ويعرفه العالم بحكمته ومواقفه، وهو أكثر العارفين بأهمية البقعة الجغرافية والمكانة الإسلامية والاقتصادية التي تمثلها المملكة، وذلك ما جعل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله يقود بلاده للتنمية والتطور الداخلي ولتكون في عداد الدول الفاعلة دوليا.

أما المعنى الأهم لهذه المعارض التي تقام وتحظى بتقدير دولي رفيع وتشهد توافداً من قبل المهتمين والحريصين على قراءة تاريخ الجزيرة العربية هو الاطلاع على جذور المملكة عبر قراءة الإنسان والمكان والتوقيت، فالتسلسل الزمني ومكانة الجزيرة العربية كنقطة التقاء اقتصادي، وموقعها الذي يربط قارات العالم جعلتها مستقرا للحضارات لا مجرد نقطة عبور، وبوأتها مكانة اقتصادية، وأدت إلى ازدهار أنماط الحياة فيها، وذلك ما يجعل المكانة التي تمثلها المملكة اليوم حلقة في سلسلة تميز هذه البقعة الجغرافية، وامتدادا جينيا لورثة تلك الأمم التي سادت الجزيرة العربية وأثرت العالم، واليوم والمملكة إذ تحتل هذه المكانة الاقتصادية والحضارية فإنها تفخر بأنها سخرت ثراءها لخير بلادها محدثة أعظم تنمية عرفتها البشرية عبر التاريخ في وقت وجيز، وركزت اقتصادها لازدهار مواطنيها ولخير الإنسانية في العالم أجمع مما أكسبها الاحترام والتقدير.

معرض روائع آثار المملكة عبر العصور الذي انطلق قبل أيام في متحف "نيلسون ـ أتكينز للفنون" في مدينة كنساس بولاية ميسوري في نسخته الرابعة بالولايات المتحدة الأميركية يعكس عمق العلاقات التاريخية بين المملكة وأميركا منذ لقاء الملك عبد العزيز طيب الله ثراه والرئيس روزفلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

هذه العلاقات الوطيدة التي من نتائجها إقامة هذا المعرض المتنقل في الولايات المتحدة تقوم دائما على الاحترام وتقدير المبادئ والقيم، وذلك ما جعل الملك المؤسس "طيب الله ثراه" يرى في الولايات المتحدة نجما قادما في ذلك الحين، خصوصا وأنها لم تعرف بأنها دولة مستعمرة، والمملكة التي نشأت دولتها الحديثة على أرض لم يسبق أن دخلها الاستعمار في أي وقت تريد التعاون مع الجميع بكل احترام ولكن ندا لند، وهو ما بقيت عليه المملكة في علاقتها مع الدول حتى اليوم، وستبقى عليه في مستقبلها تتعامل مع الجميع باحترام وبلا تجاوز ولا تقبل أي تجاوزات عليها.

هذا المعرض وغيره الكثير من الشواهد الموجودة في مواقع الآثار وفي المتاحف السعودية والكثير مما يجري اكتشافه عبر بعثات التنقيب الأثري السعودية الدولية تثبت بشكل قاطع أن هذه البلاد وأهلها ليسوا حديثي عهد بالنعمة والغنى، ولا يتعاملون مع العالم بفوقية، ويتصرفون في ثرواتهم التي وهبهم الله إياها بحكمة، ويوظفونها في تنمية بلادهم ومواطنيها بعيدا عن المغامرات التي قد يلجأ إليها حديثو النعمة.