بالرغم مما أهل به علينا العصر الرقمي من مميزات جعلت الحياة سهلة واختصرت المسافات والوقت والجهد، إلا أن للعصر الرقمي إفرازات سلبية تشكل معاناة يتم العمل على التصدي لها بجهود تنجح أحياناً وتخفق أحايين أخرى، ومن أكبر السلبيات ما اصطلح على تسميته بأمن المعلومات، واستدعى الأمر بناء جوانب قانونية وفنية لحماية المعلومات أو بعبارة أخرى تحقيق "أمن المعلومات"، وبيان المخاطر التي تهدد المعلومات ومصادرها وآليات ووسائل وأدوات الحماية التقنية والإدارية للمعلومات واستراتيجيات حماية المعلومات، وتم عمل دراسات وبحوث وورش عمل تتعلق بتقنية أمن الشبكات والجريمة الإلكترونية وحماية أمن المعلومات، الحماية القانونية للمعاملات الرقمية والبنوك الإلكترونية ومعرفة موقف التشريعات المحلية منها وحجية الإثبات في المعاملات الرقمية والتجارة الإلكترونية، وأمن وسلامة نظم المعاملات الإلكترونية في البنوك والمؤسسات المالية والمصرفية وأشكال الاعتداء على بطاقات الائتمان وأنظمة الأمان المتوفرة لها والتكييف القانوني للاعتداء على بطاقات الائتمان وفق التشريعات القائمة، وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب عبر الإنترنت، والدخول غير المشروع على الشبكة وتدمير الشبكات أو تعطيلها أو الاستيلاء عليها، واختراق الشبكات واصطياد المعلومات باصطناع مواقع على الإنترنت والاستيلاء على بيانات البطاقات الائتمانية عبر الإنترنت.

كل ذلك يشكل هاجسا كبيرا لدى العالم أفرزه العالم الرقمي كسلبية كبيرة يعاني منها معاناة كبيرة.. واستدعى ذلك من كافة العاملين بقطاع نظم المعلومات والإدارات القانونية بكافة الوزارات والهيئات والمؤسسات والمنظمات والبنوك والمختصين بالتجارة الإلكترونية البحث عن حلول تسد هذه الثغرة الكبيرة في العالم الرقمي.

هذه القضية شكلت حرباً مستعرة بين المستفيدين من هذه الثغرة من العصابات و"الهاكرز" ومن على شاكلتهم وبين المتضررين من الحكومات والمؤسسات والبنوك والأفراد، والمشكلة أن هناك جهات وأفرادا داخل كل ما سبق تكشف المعلومات بطرق غير مشروعة، ويُعد الأمر مشكلة كبيرة ومستمرة تتلون طرقها ومساراتها وكلما تم سد ثغرة فتح المستفيدون ثغرات لتستمر المشكلة وتستمر الحرب عليها.. ثم أخذت هذه المشكلة منعطفاً خطيراً وصل إلى الأفراد ليشكل اختراقاً غير أخلاقي للخصوصيات. إذن هذه هي المشكلة.. ولنسأل عن الحل؟ المشكلة التي تتعلق بالحكومات والمؤسسات والبنوك تعمل تلك الجهات على التصدي لها وتصرف مبالغ طائلة في تبني أنظمة رقمية صعبة الاختراق يتم تبديلها بين الفينة والفينة حتى لا يتم اكتشاف أسرارها مع مرور الوقت، ولكن تبقى مشكلة الأفراد واقتحام خصوصياتهم مشكلة قائمة؛ حيث لا حول لهم ولا قوة ولا حيلة ولا رادع لمن يسطو على معلوماتهم الشخصية، وتستغرب أن يتم الاتصال بك أو تلقي رسائل عديدة من مؤسسات وشركات بهدف الدعاية والتسويق.. ونسأل هنا: ما هو المدى الذي يتم اختراقه للمعلومات المتعلقة بالأفراد؟ هل يتم تسريب معلومات عن وسائل الاتصال بالأشخاص أم بتعاملاتهم المالية وأرصدتهم؟.. أم بمعلوماتهم الشخصية المتعلقة لعدد أفراد العائلة وأعمارهم وهل تتم المتاجرة بتلك المعلومات؟

الذي نعرفه أن كل تلك الأنواع من المعلومات ثمينة من الناحية الاقتصادية لكل الشركات والمؤسسات لتسويق منتجاتها، ولا يعد ذلك مسوغاً لكشف تلك المعلومات لهم..هذه سلبية، والسلبية الأخرى في الأمر أن هناك من يريد معرفة تلك المعلومات للابتزاز، وتلك مشكلة وهذه مشكلة أكبر.. الكشف عن تلك المعلومات يتم أحياناً بحسن نية من قبل القائمين على الجهات التي تملك تلك المعلومات، وتباع أحياناً وتتم أحياناً من قبيل "الفزعة"..

مجتمعنا الطيب "الفزّاع" يجب أن يكون واعيا لمعرفة متى تكون "الفزعة" ومتى يجب ألا تكون، متى تكون خيرا وبردا وسلاما، ومتى تكون شرا ووبالا. والوعي يجب أن يقترن بالعقاب "فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، ويجب أن يوقف أحد هذين الرادعين مثل هؤلاء، وذلك للحد من شرهم الذي قد يعلمونه، وقد لا يعلمونه.

وأما مشكلة دأب بعض أو معظم أو كل المؤسسات المستفيدة من المعلومات الشخصية من أجل زيادة الاستثمار وتوفير السيولة لمؤسساتهم فإن ذلك يخضع للأخلاقيات، ثم لوجود نظام صارم من قبل الجهة المشرفة على تلك المؤسسات يحرم مثل هذه الممارسات ويعاقب عليها، ولا بد أن يكون هذا النظام من الفعالية بحيث يستطيع كشف المخالفين له وتطبيق النظام بحقهم. أحيانا نحن لا نفرق بين "الفزعة" التي تمثل قيمة من قيم هذا المجتمع المسلم الطيب الذي يفيض عاطفة وحبا للخير فـ"نفزع" في الزمان والمكان والموقف الخطأ. جميلة هذه القيمة لكن استخدامها يجب أن يؤدي إلى الخير وإلى هدفٍ سامٍ، واستخدامها بشكل خاطئ فيه إضرار بالآخرين.

أما البعد الثاني للمشكلة والمتمثل في كشف معلومات خلق الله الشخصية لأهداف تجارية واستثمارية فيعتبر عملا لا أخلاقيا من قبل من يمارس هذا التصرف.

صحيح أن كشف تلك المعلومات لم يستخدم للإضرار بالأشخاص المعنيين الذين تم كشف معلومات عنهم، لكنها ممارسة لا أخلاقية، وقد تسمع بعض الأشخاص الذين سبق أن عملوا في بعض المؤسسات التي تمارس هذا الأسلوب يتندر بها ويتحدث عنها باحتقار. صحيح أننا لسنا مثاليين، لكن الخوف إن تُرك الحبل على الغارب أن تتفاقم المشكلة، ويتحول كشف المعلومات الشخصية إلى ابتزار بشكل أو بآخر، وتتبدل المواقف وتختلف الأهداف من وراء هذا التصرف المشين، فلا بد من وضع حد لهذه التصرفات، خصوصا وأن مصادر هذه المعلومات تبدو مرموقة، ولا يتناسب هذا التصرف مع مكانتها. ولا يجب أن يطغى الكسب المالي وحمى التنافس على قيمنا ومثلنا وأخلاقنا وعاداتنا السامية في هذا المجتمع الطيب. ويجب أن تعرف الجهات التي تكشف معلومات شخصية عن الناس بطرق غير مشروعة أن العمل له أخلاقيات، وأن البعد عن هذه الأخلاقيات لا يبرره أي سبب، ولا يعادله أي مكسب أو أي صفقة مهما غلا ثمنها.

أما البعد الثالث وهم "الهاكرز" فهؤلاء لهم قصة أخرى، وهم مشكلة على مستوى العالم، لكن يجب ألا يكون ذكاؤهم أعلى من ذكاء القائمين والحارسين على أبواب ومنافذ التقنية لدينا، وإن كانوا كذلك فهي مشكلة.

وخلاصة القول: الواضح أن هناك ممارسات يتم بها كشف معلومات شخصية عن الناس، ولم نسمع عن تطبيق أي عقوبة، فمن المسؤول عن حماية معلومات الناس الشخصية؟ وهل يجب الانتظار حتى وقوع كوارث اجتماعية ثم نبدأ بالبحث عن الحلول؟ خصوصيات الناس وأعراضهم أمانة ولا بد من وجود من يحفظها، ويعاقب غير المؤدين لها على الوجه المطلوب.