لم يكن سلفادور دالي غائبا عن يومنا هذا! عندما رسم لوحاته الرائعة وقد تسايلت فيها الساعات على كل شيء، على الموائد والأرصفة وفروع الأشجار وكل كل ما تقع عليه عيناك؛ وأنت ترصد لوحاته وكأنها رسومات طفل عابث لا يدرك ما يفعله. لم يكن "دالي" بذلك العابث الذي تخرج من مخيلته عقارب الساعات تزحف على كل شيء وكأن الأشياء و(المادة) برمتها تقاوم الزمن، فينساب كحبيبات الزئبق التي تتدحرج فلا تجد مستقرا لها. براقة تلك الحبيبات الزئبقية، ولامعة ومغرية بالإمساك بها، إلا أنها لا تذعن لأحد ولا تسلم أمرها لأحد، فنطاردها بالرغم من علمنا التام بأنها سامة فتاكة!
عجيب ما نراه اليوم من اللعب بالزمن، وكأننا نلهو بحبيبات زئبقية كما أسلفنا فتقتلنا في نهاية الأمر، لأننا لم نكن على وعي تام بماهيتها، وبمادتها وبخطورتها وبسميّتها وبكل عناصرها، ولم نكن نعي أيضا مدى أهميتها لكونها من أكثر الفلزات التي قام عليها الكثير من تطور هذا العصر ونهضته.
عجيب ما نراه اليوم من اللعب بكرة اللهب، وكأننا ذلك اللاعب في السيرك، حين يقذف كرة اللهب في الهواء، ثم يضعها في فمه ويوهمنا أنه قد ابتلعها، ونصفق له كونه أحد الأبطال الذي قهر النار التي تقهر الحديد. ونحن لا نعي أنه يبتلع غازات سامة وكيروسين وأدخنة تقضي على حياته بعد مرور الزمن!
عجيب ما نراه اليوم من اللعب بالزمن وهو عامل مشترك بين كرات الزئبق وكرات اللهب!
عجيب حينما نحلق قليلا فتكون الرؤية أوسع لكل القطاعات والأمكنة، فلا نرى إلا عالما أشبه بالسيرك، الكل يلعب بطريقته بكرة الثلج وكرة اللهب وحبات الزئبق، كل يتبارى في كيفية إهدار قواها. والأكثر غرابة أنها جميعها تسيل في نهاية المطاف على حلاقم البشر حينها يتساءلون: ماذا أنجزنا في هذه الحياة؟!
لقد حبانا الله وطنا مستقراً وأمنا وأمانا وأرزاقا يحسدنا عليها كثير من المجتمعات، إلا أنه لم يرزقنا معرفة قيمة الزمن، معرفة قيمة اللحظة، معرفة قيمة العمل، ومعرفة غلاء النَفَس الصاعد، ومعرفة مدى خسارة النَفَس الهابط. خسائر ومكاسب في كل ثانية دون أن نعي وأن درك أننا نلهو بأثمن ما نمتلك حينما ندفع ثمنا باهظا لكل نفس هابط وصاعد هو حياتنا، فكلاهما يطوي حبل الحياة نحو النهاية!
قد يتساءل القارئ: ما الذي دفعني لكتابة هذه السطور؟ وأسارعه الإجابة قبل أن يجهد ذهنه، وأقول: هو مروري في ممرات ومكاتب كثير من المؤسسات والوزارات في بلادي، وهالني ما رأيت، غرف مترفة إلا أنها فارغة لا يوجد فيها مسؤولوها، ومكاتب خلفها كراسي من الجلد الناعم تنتظر من يجلس عليها، وأخرى خلفها أناس لا يفعلون سوى النظر في عقارب الساعة تأهبا للانصراف، وأنشط ما في هذه الطرقات هو عامل (البوفيه) القهوجي يخرج من مكان ويدخل في الآخر يوزع القهوة والشاي وأحيانا مأكولات. لكني لم أر رجلا منكبا على أوراقه، ولم أجد من يجيبني أين ذهب فلان، ومتى يعود إلى مكتبه!
كارثة كبرى فيما أسماه فيلسوف التفكيكية "جاك ديردا" وإلى جانبه "فوكو" ودولوز وغيرهم - ممن سيلوا عنصر الزمن - بظاهرة (الحضور والغياب) غياب الحضور بمفهومنا نحن، وليس بمفهوم هؤلاء الفلاسفة، بمفهومنا الذي ندرك أن الشخصية حاضرة ولكنها غائبة في نفس الوقت، وبالتالي تتحول إلى شخصية حاضرة غائبة في الوقت نفسه حتى إن الصحف توزع عليه فلا يقرؤها، بل يحملها تحت إبطه في نهاية العمل إلى منزله لكي يفرشها على مائدة الطعام، حينها ينسحب عليها قول الشاعر الشعبي:
"بعض العرب حي حياته خسارة...وبعض العرب لا مات يا حر فرقاه".
قدماء حملوا لنا فلسفتهم في أبيات تمر علينا مرور الكرام ولا نتأمل فيها، نتعاطاها كحبات (الأنتي بيوتك) كل يوم دون أن تؤثر فينا!
هل تساءل كل هؤلاء اللاعبين بكرات اللهب والثلج والزئبق وكل ألعاب البهلوانات في سيرك جماعي عن مصير هذا الوطن بعد زمن قد يكون قصيرا؟ فالساعات تتسارع والزمن العالمي مرعب في سرعته إلى حد الخوف.
من منا يطلق صفارته في حلبة السيرك هذه لتتوقف البهلوانات؟
لم أجد الأكثرعملا ومثابرة واجتهادا ومداومة إلا في دكاكين الطعام ومحلات الأكل وطبخ الخرفان ومحلات الكبسة! شيء غريب فعندما تمتلئ المعدة يترهل الرأس! وكأن هذا الوضع يذكرني بالحضارة الرومانية عندما انتشرت تلك الفلسفة القميئة وهي (الفلسفة الرواقية)، وهي البحث والسعي والإمعان في اللذة؛ حتى إنهم وضعوا ممرات حول الموائد لكي يأكلوا حتى تمتلئ بطونهم فيميلون على تلك الممرات المعدة لكي يتقيؤوا ثم يعودون ليأكلوا مرة ثانية وثالثة وعاشرة حتى انهارت الإمبراطورية الرومانية من فرط اللذة. نحمد الله على نعمته التي أنعمها علينا، ولكن سوف يسألنا عن: ماذا فعلنا وما أنتجنا ومن أين اكتسبنا وفيم أنفقنا؟
العالم يتحرك ونحن نتفنن في إضاعة الوقت، والنخبة - من وجهة نظري إن صحت - هي المسؤولة عن غياب الوعي الجمعي، فعادة ما تكون النخب هي تلك الأعمدة التي ترفع سقف المجتمع والدولة (الكتلة)، فإذا خارت سقطت عليها هي قبل غيرها. وسيأتي يوم قريب سوف لا نجد فيه نخباً لأنها لم تستطع رفع الكتلة!
ونحن في زمن والعالم كله يجري أمام أعيننا في لحظة واحدة فحذار أن يفلت منك أوار الزمن، لأننا لا نعرف أن الساعة سوف تدق في منتصف الليل!