إبراهيم عسيري
في عالم يموج بالمتناقضات، يتفيأ ظلالا من ظلام، لا يملك المرء معها إلا أن يقف مشدوها فاتحا فاه، لا يعلم أين تكمن الحقيقة؟! حقيقة هذا العالم المهووس بمصطلحات فضفاضة، قابلة للمداهنة والمراوغة رغم وضوح الرؤية والاتفاق عليها، وإن كان ضمنيا ظاهرها الرحمة وباطنها السلام، أو هكذا أريد تصويرها وتسويقها، دون أن تلوح بوادر تنازل طرف لآخر، أو تسوية نزاع استفحل أمره فبات شره مستطيرا. كل يرى ملكه للحقيقة المطلقة والتي تتوافق ومصالح الذات أو الذوات، حسما للحظة انتصار واهية، هي هزيمة في واقعها؛ فكم من حالم بنشر الإنسانية، عابرا بها حدود أرضه لتبلغ آفاقا، وكم من متلبس بها لا يرى فيها سوى مصلحة آنية، وكم من مضنٍ النفس المتعبة والمرهقة والمحاطة بهالة من الآمال، وسط آلام تنضح بها بقاع الأرض شرقا وغربا؛ وفي حالة بحث يائسة وحرجة؛ تستنفر القوى طاقاتها؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كي يكون لها نصيب من لفيف الأصوات المؤيدة أو المعارضة والتي تعج بها أروقة الأرض والتي كثيرا ما يتم الرهان عليها في كل خطاب وجلسة، وفي معمعة وجهات النظر المتشبث بها من كل طرف تبدو الصورة ناصعة وأكثر بريقا وإن لم تكن كذلك، هي ملهبة للمشاعر، موحية بفرج قريب؛ وما ذاك إلا ليحفظ لها مقامها، وقدرها وكرامتها. تستنشق الأوراق كل صباح رائحة العدل والمساواة، وتتحرى ما يخدم البشرية جمعاء فضلا عن عمارة الأرض؛ فيما الدمار والخراب يعتريان وجه الأرض فتشوهت.
لم تعد الطبيعة من جبال وبحار، وأشجار وأنهار، سوى معالم تزيد الإنسان حيرة وحسرة، إذ يتساءل المرء حينها؛ أنى لي الاستمتاع والتأمل في ما وهب الله الأرض من جمال وموارد؟! فيما المجتمعات تتصارع، لا ترقب في أتون ما تنضوي عليه الضمائر المصابة بالوهن - من أثر النزاع - طفلا رضيعا مذعورا، أو شيخا هرما يتوكأ على عصاه، أو امرأة ولودا لم تهنأ باحتضان فلذة كبدها،أو عجوزا عقيما تحلم بمولود يرفع عن كاهلها عثرات السنين، كل يضرم نارا وقودها الناس والحجارة؛ فلم يعد الإنسان يفضل بإنسانيته عن سائر المخلوقات وإن سيرت لخدمته، ولم يعد سفك الدماء بأبشع صوره يشكل صدمة للنفوس، ولا حيرة للعقول؛ إنه الجنون المغلف بجاهلية حديثة، وتدار بعقليات جامحة في جمودها، اتخذت مما تستند إليه من معطيات وطاقة وسيلة تروج بها هوسها وجنونها، كي تقتلع مبادئ الإنسانية من جذورها، وترمي بها في مهب الريح، أو في أعماق المحيط، أو تعرج بها إلى السماء، فيما الجمع المكفهر المصاب بلوثة التحزب والفرقة يهتف لتخلفه، وربما لمصرعه في لحظة شحن شاردة آتت أكلها فأينعت علقما ومرا.