يقول أحد المفكرين: إن أي عمل يمكن قياس نجاحه بمدى ما يحققه من نتائج، فإذا لم تكن هناك نتائج، فإن ذلك العمل مضيعة للوقت والجهد والمال.. ويمكننا أن نسحب هذا القول على الكثير من المؤتمرات والندوات والاجتماعات.. تستغرب أن "يبحلق " فيك مسؤول في إحدى المطبوعات ليخبرك أن هناك آلافا من ورش العمل واللقاءات والاجتماعات والندوات والمؤتمرات.. وأنه قد تم فيها الارتقاء بالمستوى الفلاني وحضرها العدد الفلاني واستمرت للوقت الفلاني.. هذا كلام إنشائي ومن نوع القصص الجميلة وعلى قول أحدهم: "افتح فمك يرزق الله.".. هذا ليس إنجازاً.. الإنجاز أن يبرز لنا المسؤول شواهد وأدلة على الأهداف التي تحققت نتيجة المؤتمر أو الندوة أو الاجتماع.. إذا لم يكن هناك بديل للإنشاء وسرد القصص الجميلة للنتائج التي توجد فقط في مخيلته، فإن المؤكد أنه يذر الرماد في العيون.. كثيرٌ من الاجتماعات يمكننا استبدالها بتعميم تمرر فيه كل المعلومات عوضا عن إضاعة الوقت والجهد والمال في اجتماع لم يخرج بنتائج، وإنما بتصدير أوامر للمرؤوسين كان بالإمكان تمريرها لهم بطرق أسهل وأيسر وأرخص.
حمى المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات تصيب الكثير من مسؤولينا ويعدونها إنجازات، وهي مشكلة كبيرة لا تقتصر سلبياتها على المجتمعين بل على الإنجاز نفسه، خصوصاً وأن الكثير من المسؤولين يعدونها إنجازاً بحد ذاتها.. وليست وسيلة للوصول إلى إنجازات حقيقية يمكن سرد شواهدها على نوعية العمل الذي يقوم به ذلك القطاع الذي يتباهى بعدد المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات.. بودي أن تقوم جهة متخصصة وقد يكون معهد الإدارة العامة، أو مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، أو أحد مراكز ومعاهد البحث في جامعاتنا، بإجراء دراسة -خلال الخمس سنوات الماضية على سبيل المثال- يحصر فيها عدد المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات لكبار المسؤولين التنفيذيين، ابتداءً من مدير عام، فما فوق.. طبعاً باختيار عينات ممثلة وليس كل الاجتماعات.. ثم حصر النتائج الفعلية التي خرجت بها من كل ذلك والأهداف التي تحققت.. سنجد أنفسنا أمام نتائج من المؤكد أنها ستجبرنا على أن نبدل من ممارساتنا فيما يتعلق بكل ذلك.. مشكلتنا الأزلية أننا لا نؤمن بالبحث العلمي، وإذا كان منا من يؤمن به فإنه لا يبني قراراته وممارساته وممارسات وزارته أو مؤسسته على نتائج البحث التي تطمئنه على سداد القرار الذي يتخذه.. ومشكلتنا أن كل ممارساتنا تبدأ وتستمر ثم تنتهي دون تقييم حقيقي لها لنعرف كم نسبة النجاح فيها.. وكم نسبة الأهداف التي تحققت.. وكم نسبة الجهد والمال والوقت الفاعل أو الضائع في ممارساتنا.. إذا ما أردنا أن نتبنى سياسة أو ننتهج خطة أو نتخذ قراراً فالأمر ميسور.. ندعو إلى اجتماع وأهم شيء أن يكون "مرزام" الغترة مكوياً للتو من أجل التصوير، ثم يتحدث المجتمعون من قمم رؤوسهم يدلون بدلائهم غير آبهين إن كانت لديهم دراية بالأمر أم لا.. المهم التصوير ونشر الخبر على أنه إنجاز.. لعله من النادر، وسأغامر بالقول إنه لم يحدث أن خرج اجتماع بقرار نوعي بإحالة القضية التي تم الاجتماع بشأنها إلى مركز البحوث أو إلى جهة بحثية بالنسبة للجهات التي لا توجد فيها مراكز بحث لتدرس القضية وتلم بجميع جوانبها وتجيب على الأسئلة التي طرحها المجتمعون، وكانوا من الشجاعة أن يقولوا إن هناك جوانب غامضة في الموضوع وأسئلة لم نستطع الإجابة عليها، ولهذا فإنه من المتعذر اتخاذ اي قرار.. ترفع الجلسة.. هل سمعتم أن هذا قد حدث؟.. بل لو كان المجتمعون يريدون بناء مفاعل ذري في الأفق لأدلى الجميع بدلائهم كخبراء وعلماء يعرفون كل جوانب الموضوع.. هذه كارثة.. يجب أن نتوقف في هذا العصر عن الكثير من الممارسات التي لا تحقق لنا إنجازاً ولا توصلنا إلى أهداف.. يجب أن نتوقف عن الإرث السلبي الذي ورثته مؤسساتنا من القرن الماضي والذي انتهى للتو.. إنه إرث سلبي وثقيل.. فيه المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات إنجازات عظيمة.. وفيه الأعمال والممارسات تستمر لزمن طويل دون تقييم حقيقي وعلمي.. كل هذا يوصلنا لا إلى مكان.. إننا في ذلك كمن يسير في الصحراء دون بوصلة تهديه إلى الاتجاه الصحيح ودون معرفة لمعالم الطريق.. هل نصل بذلك إلى محطتنا التي نريد الوصول إليها.. بالتأكيد لن نصل.. والمشكلة الأساسية أنه ليس هناك من يحاسب.. يصرف الوقت الذي يعد في هذا العصر أنفس رصيد.. ويصرف الجهد ويصرف المال ولا نعرف النتائج.. قد تكون لبعض تلك الممارسات نتائج.. يجب أن نعرفها.. لا أن نتوقعها.. ومرة أخرة وللمرة الألف نقول إن عدونا الأول هو الوقت.. ولا يجب أن نبدأ متأخرين.. انظروا للعالم حولنا.. لا أقول الغرب الضارب أطنابه في التقدم.. انظروا إلى إنجازات إندونيسيا وماليزيا وكوريا والهند وسنغافورة.. أين كانت وأين كنا.. وأين أصبحت وأين أصبحنا.. لدينا من الإمكانات والحمد لله على كريم نعمائه، ما يمكننا من أن نكون من أفضل دول العالم.. لكنها ممارساتنا التي يجب أن تناسب العصر..
وخلاصة القول: هناك الكثير من الممارسات التي ورثناها من القرن الماضي واستمررنا عليها بالرغم من سلبياتها الكبيرة.. لا بد لكل وزارة ولكل مؤسسة أن تعد قائمة بممارساتها.. وأن تدرس بشكل علمي ما الذي يجب أن يستمر من تلك الممارسات وما الذي يجب أن يتم التخلي عنه لأنه لم يعد مناسباً للعصر.. أعرف أن العصر يريد أن نشمر السواعد.. وأن نقف على رؤوس أصابعنا وأن الممارسات التي يتطلبها العصر تتطلب هذا المستوى من العمل.. وأعرف أن هذا صعبٌ جداً على بعض مسؤولينا الذين يختارون الطرق الأسهل، ولا يقيمون ممارساتهم.. العصر.. لا أنا.. يقول لكل هؤلاء: عمتم صباحاً فنحن في عصر متبدل متغير متقلب وشرس المنافسة، ولا بد أن نعيش هذا العصر، وإلا فاستعدوا لمحاكمة التاريخ والأجيال القادمة الذكية.