في عينيه تقرأ تحولات الزمان والمكان التي كان وما يزال فاعلا في أهم لحظاتها الثقافية الفاصلة، هو متواضع في حياته عدا المعرفة التي لم يبد أي تواضع أمامها، كما لم يؤمن بأنصاف العقول حين خاض تحدياتها، في حجاب الحازمي ميزة قل أن تجدها لدى الكثيرين من المشتغلين بالأدب والثقافة، ألا وهي الإخلاص في بذل الجهد العلمي وقبلها نجد الأمانة العلمية، التي شهد له بها الكثير من الرواد وطنيا وعربيا، وحتى ممن خاض ضدهم معارك في ميدان الأدب وتاريخه على امتداد عمره ومسيرته العلمية.

في ضمد معقل العلم والتاريخ ومدينة شاعر القرن السابع الهجري القاسم ابن هتيمل، ووسط أسرة علمية عريقة ولد حجاب الحازمي عام 1364 بموهبة تمتلك بوصلة أخذته لمعظم اتجاهات الأدب، مما جعله حاضرا بلغة أدبية متميزة وفكر ناقد لتراه مشرقا من كل الجهات، لكنه أدرك في ذات اللحظة مبكرا أن كل ذلك يحمّله العبء الثقيل والتحدي الأصعب مع الذات والمحيط، الذي وجد نفسه فيه شاعرا وقاصا ومؤرخا لتاريخ منطقة جازان البعيد والقريب الأدبي والعلمي منه على حد سواء.

وأمام التحديات والشواغل التي تجابهها الثقافة العربية ويواجهها المثقف الحقيقي في راهننا فإن حجاباً قد نجح في تحويل تلك المؤثرات لتكون معادلا إيجابيا، لتركيز جهده بالاشتغال على إنجاز مشروعه النقدي والبحثي في مكونات ونتاج وتاريخ محيطه الأقرب، الذي انطلق منه في رحلته للتواصل الإنساني عبر ثقافة المكان وتاريخه.

طيلة 14 عاما قضاها رئيسا لمجلس نادي جازان الأدبي، لم يكن حجاب الحازمي هو أدبي جازان، بل كان شبابُ جازان هم النادي، عندما كانوا يترددون على اثنينيتهم ويديرون شؤونها. حين ندخل منزل الأديب؛ ونقصد تحديدا مكتبته لا بد وأن نجد بين الرفوف تلك الذكريات لأبنائه الذين أشركهم بوعي منه في اهتماماته، وأذكر منها طلبه من بعض أبنائه مساعدته على تبييض مؤلفاته بكتابتها يدويا، إذ يروي ابنه الدكتور حسن، صاحب العمل الرائد "البطل في الرواية السعودية" معاناته الشاقة في صغره، تلك المعاناة التي تصل لحد البكاء حين يقع منه خطأ أثناء النقل من المسودات، وهو ما يضطره لإعادة ما كتب من جديد، لكنه يذكر في اللحظة ذاتها أثر تلك المهمة الشاقة في تنمية مهاراته منذ وقت مبكر من عمره.

وعلى الرغم من احتفاظ حجاب بالعديد من المخطوطات النادرة جدا إلا أنه لم يبخل على أقرانه من الباحثين بل أمدهم بها، وفي ذلك يبرز دوره الكبير في دعم الحراك البحثي والعلمي على المستوى الوطني.

المكتبة العربية تزخر اليوم بعدد من المؤلفات التي باتت مرجعا مهما في المجال الأدبي والثقافي والتاريخي للحازمي، إلا أن المتتبع والمدقق في ذلك النتاج سيلحظ أهميتها المتمثلة في إضافتها للبناء المعرفي الإنساني، نظرا لفرادة وأهمية ما ناقشته وقدمته للباحثين، فإنجازه العلمي والبحثي في تحقيق تكملة ديوان ابن هتيمل، إلى جانب مؤلفه "التواصل الثقافي بين السعودية واليمن" وغيرها من المؤلفات تجعل من حجاب كاشفا وحافظا في اللحظة ذاتها لجزء مهم من تاريخ وموروث جازان.

هذا الحجاب الكاشف لا يمل من التعب في إنارة العتمة التي كانت تلف بعضا من أرجاء زمننا الماضي والموروث الأصيل، باذلا الجهد لخدمة أرضه ووطنه، ولأنه كان وما يزال صاعدا بالفعل الثقافي والتنويري لإنسان جازان إلى سدة التأثير فقد كرمته درة الجامعات بحضور نخبة من رواد الحركة الثقافية، بعد أن نال جائزة ومنحة الأمير سلمان لدراسات وبحوث تاريخ الجزيرة العربية.

ليس في حجاب ما يحجبك عن روحه المتسامحة المتواضعة المشحونة بالصبر والعزيمة، وليس في حجاب ما يحجبك عن الحقيقة حين تطلبها لديه، ولئن كان قد كشف عن مخطوطة "المقامة الضمدية" وقدمها لأحد الباحثين إسهاما منه، فإن الوطن برجالاته وعلمائه المخلصين قد كشفوا لنا وللأجيال القادمة عن قامة حجاب تلك "المقامة الجنوبية".