ما زالت التطورات الميدانية في مصر تُثير الهواجس حول انعكاسات الصراع على "خارطة الطريق" المطروحة لفترة ما بعد الرئيس السابق محمد مرسي وجماعة "الإخوان المسلمين" ومن يصطفون خلفها، ويستمر مسلسل المواجهات الدامية مما يؤكد أن مصر لا تمر بمخاض صعب فحسب، بل تواجه حربا من طراز جديد اصطلح الخبراء الاستراتيجيون على تسميته "الجيل الرابع" من الحروب، ولهذا المصطلح خلفيته التي بلورتها مراكز الدراسات التي تُشكّل "معامل أفكار" أو Think Tankers لصانع القرار بالبيت الأبيض والبنتاجون.

أحد أبرز الباحثين بهذا المضمار هو البروفيسور ماكس مانوارينج الذي خدم بالمخابرات العسكرية الأميركية، وأحد أبرز مستشاري "البنتاجون"، ويُحاضر بالعديد من الكليات والمعاهد العسكرية الأميركية، وهو متخصص بالشؤون الاستراتيجية والحروب الجديدة، وفي دراسة له وعدة محاضرات يشرح كيف تستطيع واشنطن إسقاط أي دولة دون حرب تقليدية.

وشهدت عدة دول بالمنطقة تطبيقا عمليا للجيل الرابع من الحروب، ودائما كانت جماعات الإسلام السياسي وفي صدارتها جماعة الإخوان، أدوات تطبيق هذا المشروع للسيطرة على المنطقة، في مشروع يطلق عليه بدوائر الاستخبارات والدراسات الاستراتيجية (الطوق النظيف) لتدمير كافة القدرات العسكرية بالمنطقة، وهو ما حدث بالفعل بالعراق وسورية، وكاد أن يحدث بمصر لولا الخطوة التي أقدم عليها الجيش المصري، مدعوما بإرادة شعبية، للإطاحة بنظام حكم الإخوان، بعدما توافرت لدى أجهزة الأمن معلومات بالغة الخطورة.

يتحدث مانوارينج عن أهداف "الجيل الرابع" من الحروب قائلا إنها لا تسعى لتحطيم الجيوش المعادية والقضاء على قدرات الدولة المستهدفة عبر مواجهات عسكرية نظامية، لكنها تعمل لإنهاك واستنزاف قدرات ومؤسسات تلك الدولة لإرغامها على تنفيذ الإرادة الأميركية، بزعزعة الاستقرار فيها، باستخدام الإعلام التقليدي والجديد كالفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، حتى برامج الترفيه والسخرية التي تبدو بريئة.

أما الدور الأبرز في هذه الحرب النفسية فتضطلع به مجموعة من الناس لتحريكهم بالشكل الذي يُطلب منهم الذين يُطلق عليهم "العملاء المجانيون"، أو "الطابور الخامس" الذين يلقنهم تلك التعاليم من النشأة ليكبر الفرد ليخدم سيده الذي علمه، وهو الثقافة الأميركية الصريحة، كالحركات الثورية التي تحيطها ملابسات غامضة مثل (حركة 6 أبريل) في مصر، أو تلك التي تستخدم الدين ومنابر المساجد في الصراعات السياسية كجماعة الإخوان.

ويمضي الخبير الأميركي مشيرا للقدرات العقلية باعتبارها السلاح الرئيسي لهذا الجيل الجديد من الحروب، وليست الجيوش النظامية بل "القوة الناعمة" التي تتخذ صورا متعددة، وغالبا تبدو للوهلة الأولى "طيبة النوايا" حتى يتبناها مواطنون من الدول المستهدفة، لكنها في نهاية المطاف ستؤدي لخلق "دولة فاشلة" تفقد بسط سيطرتها على أجزاء من ترابها الوطني وتعجز عن تنفيذ القوانين، وصولا للانفلات الأمني وترويع المجتمع.

كل هذا سيؤدي بالضرورة لزعزعة السيادة التي يعرفها الخبير الأميركي بأنها "القدرة على تطبيق القانون بكافة التراب الوطني والشعب في كيان سياسي هو (الدولة)"، التي ستفقد سيطرتها بعد زرع "جماعات مُعادية" تنتهج العنف ضد السلطة العامة لأسباب شتى، تتوقف على طبيعة الدولة المستهدفة وعناصر التأثير في ثقافتها الشعبية، كالدين أو الأعراف السائدة، أو حتى الجماعات اليسارية الراديكالية مثل حركة "الثوريين الاشتراكيين"، التي يُفترض بحكم الأيديولوجيا التي تتبناها معارضتها لأهداف جماعات الإسلام السياسي، لكن اللافت بمصر هو "تحالف الأضداد"، مما يؤكد أنها تواجه بالفعل "الجيل الرابع" من الحروب، لتحويلها إلى "دولة فاشلة"، وحينها يمكن لأميركا التدخل للتحكم بمسار ومصير الدولة، ويذهب لأبعد من ذلك بتمزيقها وتقسيمها على أسس طائفية وعرقية ومذهبية.. إلخ.

ويتحدث الخبير الأميركي عن مفهومين للحرب: الأول هو التدخل العسكري التقليدي القديم، والثاني خلق "دولة فاشلة" والذي يتطلب عمليات بعيدة المدى وخطوات تُنفذ بهدوء في عملية متواصلة تمضي على وتيرة متصاعدة ومحسوبة بدقة، وسيذهب الناس كالعادة للنوم، وإذا نفذت هذه الخطط بحرفية عبر زرع "طابور خامس، فسيستيقظ عدوك ميتا"، على حد تعبيره.

وما يحدث بمصر حاليا هو استخدام مجموعات "الطابور الخامس" كجماعات الإسلام السياسي والجهادية، و"الحركات المشبوهة" التي تلقت تمويلا وتدريبا أميركيا، لتتحول الأحداث من بناء نظام جديد يتمثل في (الجمهورية الثانية) التي تتبنى الديمقراطية، لمسار العنف والترويع والفوضى، وبالفعل استهدف هؤلاء المنشآت العامة والخاصة والكنائس وحتى وسائل المواصلات، كما حدث بحرق مترو ضاحية "مصر الجديدة" الذي يعتبر أبرز معالمها التاريخية منذ أسسها البلجيكي البارون إمبان.

كل هذا حدث بأيادي مصريين، فلم تكن واشنطن مضطرة لإرسال قوات "المارينز" لتقترف هذه الجرائم، بل صنعت وزرعت من يفعل ذلك، سواء عبر قناعات دينية أو سياسية خاطئة، أو بتجنيد "عملاء محليين" يلعبون دور "ضابط الاتصال" بين الشارع المصري، وذلك الجنرال الخبيث القابع بإحدى غرف البنتاجون يراقب ما يجري في شوارع مصر ومدنها وريفها وصعيدها، وهو يبتسم بسعادة، ويُشعل سيجارا كوبيا فاخرا، بعدما ورّط نفرا من أبناء جلدتنا في إشعال مصر نيابة عنه.