ذكرنا في المقالات السابقة أن الحوار حساس جدا تجاه الحقيقة. بمعنى أن الحوار يتعثّر بل لا يكاد يتحقق في الوجود الزائف. الحقيقة التي نتحدث عنها هنا ليست الحقيقة العلمية ولا الفلسفية ولكنها باختصار حقيقة الصدق. أي حقيقة أن يظهر الناس لبعضهم كما هم. "كما هم" هذه تحتوي كذلك أن يظهروا كراغبين في التغيير. بمعنى أن ظهور الإنسان كما هو لا يعني ظهوره في حالة استقرار وثبات ولكن ظهوره حتى في حالة التغيّر والتبدّل. القلق هنا هو من محاولة ظهور الإنسان بشكل يعلم هو أنه لا يمثّله أو بشكل لا يتوافق مع سلوكه حين يغادر علاقته الحوارية. هذه الإشكالية تعيدنا إلى ثنائية الجوهر والمظهر التي بدأنا بها سلسلة المقالات هذه. هذه الثنائية تثير كثيرا من الأسئلة منها: مدى إدراك الفرد لحدود جوهره من مظهره باعتبار أن هذا السؤال هو سؤال معرفة الذات، والذي يفتح الحوار الطريق للتفكير فيه وربما الاقتراب من فهمه والجواب عليه. سأتناول هذه القضية لاحقا. اليوم لدي صورة أريد أن أعرضها وأفكر فيها. هذه الصورة تسعى لفهم مشهد كان مارتن بوبر قد رسمه في كتابه "معرفة الإنسان". هذا المشهد يفترض أن يصف حالة الحوار بين أفراد يمكن وصفهم بأفراد المظهر لا المخبر. بمعنى أنهم أفراد مشغولون بالظهور بصورة لا تعكس بالضرورة ما هم عليه.

لنفترض أن لدينا "صالح وأحمد" في جلسة ثنائية يفترض أن تحمل حوارا ثنائيا. يقول بوبر في هذا المشهد لدينا ثمان شخصيات وليس شخصيتان فقط. أولا لدينا الحضور البدني لصالح وأحمد. ثم لدينا أحمد كما يحب أن يظهر لصالح، أي الصورة التي يحاول أحمد أن يرسمها في عين صالح. كذلك لدينا صالح كما يحب أن يظهر لأحمد، أي الصورة التي يحاول صالح أن يرسمها في عين أحمد. لدينا كذلك أحمد كما يراه فعلا صالح، ولدينا صالح كما يراه فعلا أحمد. وفي الختام لدينا أحمد كما يرى نفسه وصالح كما يرى نفسه. يختم بوبر: في هذا المشهد لدينا جسدان وستة أشباح تطوف بالمكان. لنتأمل هذا المشهد: لدينا أولا شبكة من الشخصيات الموجودة فعلا ولكنها غير داخلة في الوعي المشترك لدى المتحاورين. بمعنى أنه في أحسن الأحوال فإن أحمد وصالح كل من جهته واع بجزء من هذه الشخصيات. أحمد مثلا يفترض أنه واع بالصورة التي يريد عرضها على صالح كما أنه واع بالصورة التي يراها عن نفسه، كما يعرف صورة صالح في عينه ولكنه يجهل الصورة التي يريد صالح أن يعرضها أمامه، أو صورة صالح التي يرى نفسه فيها، أو صورة أحمد في عين صالح. الكمّية التي يجهلها كل فرد عالية، ولنتذكر هنا أن الحوار هو طريق لإيجاد طريق تواصل بين هذه الصور المتقاطعة.

لنتخيّل لو كان الحوار بين أحمد وصالح حوارا جوهريا وليس مظهريا. سيكون لدينا الحضور البدني لكليهما. لدينا أحمد يريد أن يظهر كما هو لصالح. بمعنى أن 1-الصورة التي يريد أحمد عرضها لصالح، و2- الصورة التي يرى أحمد نفسه فيها يفترض أن تقتربا جدا من أن تكونا متطابقتين. تبقى لدينا الصورة التي يراها صالح عن أحمد والتي يفترض أن يجعلها الحوار أكثر وضوحا مع حالة الصدق التي تحيط بالحوار. هذه الصور ربما تفسّر حالة الارتباك والتشويش التي نشعر بها حين نتعامل مع الكذّابين أو الحالة التي يشعر بها الناس حين نكذب عليهم. الكذب في الأخير هو ضرب لهويّة الكذّاب وإمكانية الحوار معه. الكذّاب يعرض باستمرار شخصيات مختلفة ومتناقضة عن نفسه مما يجعل الناس تتوقف عن تصديق امتلاكه لأي شخصية حقيقية. الهويّة وإن كانت تقوم على التحوّل والتغيّر إلا أنها تتطلب نوعا معينا من الاستقرار والتواصل. في حالة أحمد وصالح الأولى، حالة حوار المظاهر، هناك ارتباك حاد في حضور هويّة كل منهما للآخر. الحوار هو في الأخير عملية انكشاف وظهور، والمشهد الذي بين أيدينا هو عملية استتار واختفاء تجعل من فرص تحقق الحوار تتراجع بشكل كبير. لنتذكر هنا أنه حتى في حالة الصدق وانتفاء المراوغة في الحوار فإن التفاوت بين ما نراه عن أنفسنا وما نريد أن يراه الآخرون عنّا هو تفاوت في الدرجة لا في النوع بين إنسان المظهر وإنسان المخبر، بمعنى أن هذا التفاوت عال جدا عند إنسان المظهر ومنخفض عند إنسان المخبر، لكن حالة التطابق نادرة ربما يسعى لها الحوار لكنه لا يتطلّبها. ربما تكون الحالة المثالية للحوار بين صالح وأحمد أن يظهر كل منهما للآخر كما هو على أمل أن يرى كل منهما الآخر كما هو، ليبقى صالح وأحمد فقط في الحوار.

مع ابتعادنا عن هذه المعادلة الثنائية بدخول أطراف أخرى في الحوار يزداد الحوار تعقيدا وارتباكا. لنتذكّر الصورة التي رسمها بوبر ليست نهائية فبإمكاننا أن نضيف للمشهد، في حالة الحوار العمومي، هذه الشخصيات: أحمد كما يريد أن يظهر للجمهور، وأحمد في عين الجمهور، وصالح كما يريد أن يظهر للجمهور، وصالح كما يراه الجمهور، وأحمد في عيون الجماهير كما يعتقد صالح، وصالح في عيون الجماهير كما يعتقد أحمد... المشهد يزداد تعقيدا مع زيادة العوامل المؤثرة والفاصلة بين أحمد وصالح. الحوار في المقابل هو محاولة للوصول بين أحمد وصالح، محاولة صادقة لتجاوز كل هذه العقبات والحواجز والتغلّب عليها. الحوار هو عملية لتحقيق هذا الهدف. ومن الطبيعي أن ينطلق الحوار في هذه الظروف غير الصحيّة، وأن يكون الطريق للعبور من خلالها إلى ظروف أكثر وضوحا وصدقا. الحوار هنا رحلة يمشيها صالح لأحمد وأحمد لصالح رغم قسوة الحواجز الفكرية والنفسية والاجتماعية بينهما.

لنتذكر أن هذه الحواجز أقوى في كثير من الأحيان من حواجز الزمان والمكان.