غادرنا القرن العشرين بمحصلة جوهرية أجلت الجزء الأهم من جرع التطرف في ادعاء الحقيقة بين أيدلوجيا المسلمات الطبقية المطلقة من جهة، ومجاهر الكهنوت التي تعتقل حرمة العقل وتفرض وصايتها على حق المعرفة في استكشاف الملكات وإعادة تقديم الحياة على نحو لائق برسالة الاستخلاف.. وفي خضم جدلية التطور البشري وصراع الصعود إلى الذروة والسقوط في المنحدر العميق، استطاعت ثورة الاتصالات فرض سلطتها على حساب الكيانات التقليدية المحكومة بتحالفات سلطتي: الاستبداد السياسي والروحي.. القوة، والتدين.
وبينما كانت منابع الصراع القطبي تغير مجراها داخل حركة التأريخ، والمعسكر الاشتراكي يدخل طورا جديدا من أطوار السباق الرأسمالي، متوخياً بلوغ منزلة التماثل بأقل الخسائر الممكنة على صعيد الالتزام لمصالح الطبقة العاملة، متحملاً مسؤوليته عن إدماجها بتوجهاته الاقتصادية ـ ضمن نموذجه الخاص ـ ما يجعلها أساسا لعملية التحول نحو سياسات السوق ومتطلبات الإشباع الذاتي من "التقنات" والبرامج ووسائل الإنتاجية العالية في الوقت ذاته، أخذ الغرب يعيد إنتاج تصوراته الاستعمارية القديمة بأخرى ناعمة تشتغل على ظواهر التخلف وتستثمر بدائيات الصراع على السلطة في بعض أقطارنا العربية والإسلامية، وتجعل منها منطلقاً للإغواء باسم الديموقراطية والتعددية الحزبية والشفافية والحكم الرشيد وحرية التعبير وحقوق الإنسان الخ.. أما في الحقيقة فإنها على مدى ثلاثة عقود لم تكن تبحث عن مجتمع ديموقراطي عربي يسمح بنشوء مثال لتبلور هذه القيم في حياة المجتمعات، قدر حرصها على تبني ديموقراطيات توصف بالناشئة وهو مصطلح أميركي محض، استخدم لأغراض متعددة؛ أهمها تعطيل السنن الكونية في التغيير واحتوائها بعينه من الصناديق السحرية المخصصة لتنافس الجميع على فوز الزعيم ذاته، وكما رأينا في عدد من مشاهد السيناريو الأميركي الممل، إذ ينتهي لشخصنة الصراع وسقوط رؤساء الديموقراطيات الناشئة في الوقت المحدد لصلاحيات الاستخدام وبروز الحاكميات الدينية الأقدر على إضاعة كل شيء مقابل الظفر بحفنة من الوعود بتطبيع علاقاتها مع الغرب.
وفيما يبدو فإن الوعود المشار إليها أملتها تصورات بعيدة عن حقبة قادمة من معادلات الصراع الدولي والرغبة الأميركية في التكفير عن الممارسات المجحفة مع أصدقاء قدامى تحسباً لساعة ضيق قد تستدعي الحاجة لجاهزياتهم، ومن هذا المنطلق يمكن فهم الموقف الأميركي تجاه الأحداث في مصر وسورية تحديدا، وقراءة المغزى الحقيقي لافتتاح مكتب تمثيل رسمي لجماعة طالبان "القاعدة" جوار إحدى أبرز القواعد العسكرية الأميركية في دولة خليجية، والواضح أن العبرة ودروس وتجارب الحياة لا تجدي نفعاً مع العرب.. سيان إن "تعلمنوا" أو اختاروا "الأسلمة" بدلاً عن الإسلام..
على أن هذا السرد لا يضيف إلى معرفتنا بالمتغيرات العلنية المتواترة جديداً، اللهم إلا في حال النظر إلى ما تحدثه الفكرة المضطربة من شجن أو يوقعه تصابي الذكرى العالقة في ثنايا رواية "العجوز والبحر" لهيجو مع أنه حتى عند الحاجة لترديد شعار حماسي يجتر مفردات النضال المفرط به خلال مراحل التطبيق الميكانيكي لقواعد دولة البروليتاريا، لا بد أن يتفقد امرؤ مشط فكيه والتأكد من سلامة نقطة للشعار الاشتراكي وإمكانية ترديده دون جوقة مؤهلة!
الأسبوع الماضي، التأم في صنعاء مؤتمر حوار ليسار اليمن، وكلمة اليسار في هذا البلد أقرب لمعنى الوفرة منها للأيدلوجيا، وأحسب أن حقائق ووقائع ومخرجات الحالة اليمنية تدعو لاعتبار مؤتمر طارئ بهذا المسمى في عداد الإشارات المرورية المكتوب عليها: "الاتجاه إلى اليمين إجباري"!!
وهنا يتعين علينا النقر على سؤال فاجع: هل ـ فعلا ـ ما يزال اليسار في اليمن يساراً وهل ثمة ما يدل على ذلك في إنجازات وممارسات ومواقف معظم القوى والأحزاب السياسية التي ترتدي بردة اليسار؟ إن كان اليسار نفسه ما برح على ما نتمنى ونحلم فمن يكون اليمين إذن؟ وأين يقف اليسار بمكوناته الراهنة من المبادئ التي رسمت قسماته وحددت مساره قبل 22 مايو 1990، وهل نراه في صف الضحايا الذين رسخ في أذهانهم قناعاته الوحدوية والإنسانية وتحملوا من الويلات ما يفوق التصور، وبغتة يجدون اليسار الرسمي يسلم حلمهم التاريخي لرأس النظام السابق ويتخلى عنهم عند إعلان الانفصال، ثم لا يفيد من التجربة، إذ يصبح موقفه من الوحدة مجرد إضافة عابرة على جدول تحالفات خارج سياق تاريخ الحركة الوطنية اليمنية.. أسأل أيضاً: أي يسار تشدنا فعاليته الصنعانية على حين تغيب عنه الرؤية إزاء الحالة المصرية والموقف من الوضع في سورية، وشعبها العربي الذي تقتله حماقات الأسد ومخططات الاستحلال الغربي المكرسة لحماية أمن إسرائيل؟
لا غرو أن ظروف اليمن 1994 - 2011، أنضجت شروطاً غير مسبوقة لما كانت عليه أحوالها في أثناء الاستعمار البريطاني وفي عهد الإمامة، ولم تتوافر مقوماتها خلال حقبة الثورة سبتمبر وأكتوبر، وبداية المسار الوحدوي بين يسار الدولة الشطرية ويمينها، حيث تهيأت الأسباب الموضوعية للتغيير الحقيقي، واتسع الجذر الشعبي المتعطش لقيم العدالة الاجتماعية والمتحفز باستعداداته العفوية لتحقيق التطلعات العادلة، وإقامة الدولة الوطنية القادرة على إثبات وجودها وإحلال سيادة القانون وتحرير المشاركة السياسية من قيود الغلبة ونواميس الارتهان لمنطق الأمر الواقع.. وفي لحظة التتويج الوطني لمخاضات الزمن وتجارب الساسة وأحزان البشر.. في اللحظة التاريخية الفاصلة اختار اليسار الرسمي أن يكون دون بوصلة، وقرر خوض حروب التأريخ بدلاً من التقاط زمام المبادرة، وتصدر عجلة التحول يسنده شركاء كثر ينشدون مستقبلا مشرقا اختزلته شعارات اليسار، وغيبته حسابات الساسة التاريخيين لما لم يعد يساراً كما هي رؤيته إلى مستقبل بأفق ينفتح على كل الاحتمالات الشريرة ويضيق بوحدة وطن.