ينقضي العيد ولما تنطفئ آلامنا بعد، وتقتات الحيرة منّا مداءات الحكمة فلا نجد تفسيرا لكثير مما يضطرم به المشهد من حولنا، ينقضي العيد وتذوي التهاني وكأنما طرقت أبوابنا دون أن تسمع جوابا أو يرتد إليها صدى فاختارت أن تموت على الأعتاب حسيرة، نجتهد في أن نقاوم نزيف الجرح بين الجوانح مما يعتري إخوة لنا هنا وهناك وهنالك، نسعى لنلملم ضباب الفرحة المتطاير فلا نحصّل إلا كما يحصّل مطارد السراب، وعلى الرغم من ذلك نستشرف بإيماننا الأمل يشع سنا ضوئه في الأفق مبشرا بالنصر والعزة والكرامة لشعوب الأمة العربية؛ ولهذا تستكين أرواحنا وتهدأ مشاعرنا الملتهبة ونسمح بأن تفتر الثغور عن ابتسامات خجلى لكنها صادقة.

راقبت هذه اللوحة المعبرة حين أصرت مناطق المملكة على الاحتفاء بعيد الفطر المبارك بشتى صنوف الفعاليات التراثية أو الحديثة، فشاهدنا الفلكلور الأصيل وتابعنا المسرح الاجتماعي، وسعدنا بقصص الماضين تشد الوشائج بالزمن الجميل ومن تلكم الفعاليات الليلة الأبهوية التي جمعت الأبهويين في المكان المتبقي من عبق أبها في "بسطة امقابل" كان الجميع حاضرين وكانت أبها تلك الفتاة التي تظل "صبيّة" مزهوة بعشّاقها الذين ارتدوا ما تحبه أبها فكان الوقار ثوبا والحزام شيمة والعصابة شموخا و"الطرق" روح حياة وحضارة وقدرة على الاحتواء ورؤية مكامن النور وفيض الجمال، لقد اصطف الأبهويون كما هي عادتهم في إحياء عاداتهم النبيلة في المكان الذي كان يجمع آباءهم على المحبة والتماسك الصادق و"الشور" السديد، كان غناؤهم تلك الليلة يجوب بالأنفس على مراتع الصبا فما تلبث حين يعود بك إلا أن ترمق دمعة حيرى في عين كهل تجشم المجيء، دمعة مكتنزة بمختلط من الذكريات سعيدها وأليمها وتلك التي "بين بين"، وترى شابا يحمله العنفوان في رقصة حماسية يعتلي همومه كلها ويمتشق جنبيته يشق بها ستار الظلام فينبلج الضياء على وجوه كألّم يقاربها عناء، فيما يتردد على الأفواه غيض مما شدا به (ثوابيها وابن عشقها).

إبداء الفرح نسق اجتماعي له ما له وعليه ما عليه غير أنه حين ينتظم ويلتزم حدود المتاح والممكن يكون تعبيرا نافعا ومؤديا، وتنبثق عنه حالة مثاقفة كتلك التي حدثت حين قارب الشباب تراثهم في احتفالات الأعياد، وهذا بالطبع لن ينسي الناس آلامهم مما يرونه ويسمعونه، فالجرح لا يفتأ ينزّ، ولكن ساعة وساعة.