كثيرون أشادوا بنجاح معالي المهندس خالد الملحم في قيادة شركة الاتصالات السعودية إلى النجاح، حين كان رئيساً لمجلس إدارتها، حتى إن الكثيرين من المواطنين يدركون الفارق الكبير في الخدمة بعد تحويل هذه المؤسسة الحكومية إلى شركة تجارية مساهمة تبحث عن عملاء، وتحاول تسويق منتجاتها وخدماتها عبرهم، بل إن خطوة خصخصة الاتصالات قد خلقت منافسة حامية الوطيس أفرزت خيارات أخرى لدى المواطن بدخول شركات أخرى منافسة، على الرغم من استمرارية احتكار خدمات الهاتف الثابت على شركة واحدة!
ولكنني في الوقت ذاته أقرّ للمهندس الملحم بفشل الخطوط السعودية في اكتساب ثقة عملائها، فالناقل الوطني قدّم مؤخراً خدمات جوية لا تليق بشركة حملت اسم الوطن لأكثر من ستين عاماً، ولا تليق بما نعيشه من نهضة اقتصادية كبرى في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، حيث يُفترض أن ينعكس تحسن الاقتصاد ضمناً على وسيلة النقل الأكثر حيوية في العالم. والفشل بحد ذاته هو تجربة تضاف إلى تراكمات الخبرة في الحياة التي تسبقه، أو تأتي بعده، والإدارات الناجحة هي التي تستطيع تجاوز الفشل وتلافي أسبابه ونتائجه السلبية المادية والمعنوية.
محور الفشل يتمثل في الخدمة المتردية التي تقدمها الخطوط السعودية اليوم، والتي جعلت المواطنين والمقيمين بما يشبه الوضع الكارثي، حيث أظهرت أزمة الخطوط السعودية الأخيرة وجهاً آخر يوحي بإمكانية التطور للأسوأ، في وقت يتطور فيه العالم للأفضل! مما يجعل المواطن والزائر والمقيم يستشعرون غرابة هذا الوضع وسوء في بلاد غنية بالنفط تعتبر ذات تأثير كبير في الاقتصاد والسياسة على المستوى الإقليمي والعالمي.
فقد بات المسافر يفكر أكثر من مرة قبل المجازفة بالحجز على الخطوط السعودية خارجياً، لوجود إلغاءات متكررة للحجز وعدم منافسة خدماتها لبقية خطوط الطيران الأخرى، إلا أن المسافر مجبر على التعامل معها داخلياً؛ لعدم وجود خيار بديل، ولا سيما بعد فشل خصخصة الطيران المدني، نتيجة حصرها على شركتين فقط، قلّما يتواجدان لتقديم الخدمة في منطقة واحدة. أسهمت "السعودية" بهذا الفشل الذريع بانسحابها من الأقاليم التي كانت تغطيها سابقاً؛ مما أدى إلى انعدام وجود الخيارات لدى المسافر من جهة، وانعدام وجود منافسة حقيقية من جهة أخرى، وهذا ما جعل قضية الطيران السعودي من قضايا الرأي العام في الصحافة المحلية، حيث أصبحت هذه القضية فاكهة المجالس؛ لأنها تحولت بنظر المواطنين إلى أزمة!
فعدم وجود استراتيجية واضحة تحقق أهداف التطوير المرجوّة، فاقم هذه الأزمة (الجوية) التي نعيش تبعاتها وإفرازاتها هذه الأيام، التي يتزامن فيها شهر رمضان المبارك مع (أغسطس) شهر السياحة العالمي، مما جعل مصدراً مسؤولاً في "السعودية"-قبل أيام- يعدنا مبشراً بأن انتهاء الأزمة سيكون بنهاية (آب اللهّاب)، أي بعد انتهاء الموسم الذي يحتم أصلاً انخفاض حدة هذا التأزم!
ولو عاد المواطن بذاكرته إلى الوراء، أي إلى سجل السنوات الماضية، فسيجد أن "أزمة" الخطوط السعودية الحالية قديمة ومتجددة في الوقت ذاته، ومع الزيادة السكانية أصبحت تتدحرج مثل كرة الثلج، إذ كان أمرها تدريجياً لكنه بلغ ذروته هذا العام، حيث بدأ المواطن يفقد ثقته بإصلاح الوضع وصلاح الحال لناقلنا الوطني، رغم كل الوعود وكل (البروباجندا) التي ينطبق عليها المثل العربي الشهير "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً"!
في معظم الدول يتحمل المسؤولون المسؤولية الأخلاقية ويستقيلون، لا لأنهم وحدهم من يتحمّل الفشل في حل المشكلة أو وقوعها، ولكن لأنهم في موقع يتضمن مسؤولية وطنية وسياسية واجتماعية كبرى، فيقع على عاتقهم الاضطلاع بهذه الأمانة بما ارتضوه لأنفسهم أن يكونوا في هذا المنصب الحساس. لا أدعو هنا إلى استقالة معالي مدير عام الخطوط السعودية كما أشيع عنه في المواقع الإلكترونية، ولكني أدعوه أن يخفف حدة هذه الأزمة بالقول إنه يتحمّل المسؤولية أمام القيادة والمواطنين، ويطلع المواطنين (عملاء الشركة) على استراتيجية الحل، بعد أن يشرح أسباب الأزمة ومؤثراتها.