هذه قاعدة صحفية تؤكد أن الخبر الحقيقي الذي يستحق النشر ليس خبرا طبيعيا أو متداولا، فالصحافة تقوم أساسا على نقل ما لا يعرفه الناس وليس ما يعرفونه واعتادوا عليه، لأن خبرا كـ "عض الكلب الرجل" لا يأتي بقيمة ولا أهمية "عض الرجل الكلب" في العرف الصحفي.

من يسير على هذه القاعدة ليس الصحافيين أنفسهم، إنهم الناس الذين لا يعنيهم ما يعرفون سلفا أو ما هو متوقع، ولا ينتظرون من الصحافة إلا كل ما هو جديد وغريب ومفاجئ بما يلبي غرورهم المعرفي وفضولهم الإنساني، والصحافة كمؤسسات استثمارية في مجمل عملها، تحاول جاهدة إرضاء "الزبون" وتسير جيوشها يوميا للبحث عن الرجل الذي عض الكلب.

من هذا الباب تسللت صحافة التابلويد في بريطانيا وأميركا، تلك التي تقوم على نشر الأخبار الغريبة والفضائحية وتعتمد كثيرا على الإثارة واختلاق القصص المفبركة، ولاحقا سميت بـ "الصحافة الصفراء" واختلف على سبب التسمية فهناك من يقول إنها كانت تطبع على ورق أصفر رخيص وهناك من يقول إنها كانت تصفر بسبب بقائها تحت أشعة الشمس لفترة طويلة لعدم إيمان الناس بها وشرائها. كان ذلك في خمسينات القرن المنصرم، اليوم كل الصحافة تتبع ذات النهج، الخبر المثير أولا، مع اختلاف طفيف في طريقة التناول ودرجة الاتزان في طرح القضايا والقصص، وصحف التابلويد في بريطانيا هي الأكثر شهرة والأعلى دخلا إعلانيا، رغم أن بعض هذه الصحف يوزع مجانا في الشوارع والقطارات والحافلات.

وجاءت الصحافة الإلكترونية في هذا العصر لتكمل مسيرة البحث عن الرجل الذي عض الكلب، ورغم كل المآخذ التي يتوقف عندها خبراء العمل الصحفي بخصوص أداء الصحف الإلكترونية، إلا أنها نجحت في لفت نظر القارئ واستجلاب اهتمامه، خصوصا في مجتمعاتنا العربية، مستغلة مساحة الحرية المتاحة في فضاء لا يعترف بالخطوط الحمراء ولا تعنيه الاعتبارات التي تضعها صحافة الورق أو الصحافة المؤسساتية نصب عينيها، وما زال الجميع ييحث عن الرجل الذي عض الكلب.