ماليزيا المخلط العجيب شعوباً و(تعايشاً) ونمواً ذو نكهة أخّاذة تأسرك بدءاً من هبوطك في مطار كوالالمبور الدولي (كي إل أي إيه) والذي منحته منظمة الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) ومجلس المطارات العالمي لقب أفضل مطار للعام 2005 ، تأخذك أناقة هذا المطار باستقبال تحظى به في انسيابية ممتعة بدءاً من الجوازات ونظام (إنساني) إلكتروني مبتسم لتنتهي بك سريعاً إلى خدمة الباصات السريعة Shuttle لتنتقل إلى صالات أخرى يسبقك في كل انحناءة أو لمحة (ابتسامة) وهي أهم بناء وتنمية لأي مطار في العالم !

تنتقل بعدها إلى بعض الصالات لتجد فيها مصارف عملة بأسعار مناسبة قليلاً ولكنها جزماً أفضل صرفاً من أن تسحب من بنوكنا العظيمة التي ما زالت تستنزف الجيوب في الداخل والخارج دون أدنى خدمة، فالسعودي يعيش علاقة وشيجة وغير آيلة للانقطاع من الاستنزاف البنكي وأنا هنا لست في مقارنة بل في وصف عميق يتأرجح بين الحزن عندما تجترك الذاكرة مقارنةً والفرح أن تجد بلداً إسلامياً بهذا النمو الهائل في حقبة قصيرة.

العاصمة هي كوالالمبور ، في حين أن مدينة بورتجايا هي مقر الحكومة الاتحادية والمدينة الهندسية العصرية ولغتها الملايوية وتسمى (بهاسا ملايو) وهي لغة أوسترونيسية يتحدث بها الملاويون.

في خلال أواخر القرن العشرين، شهدت ماليزيا طفرة تنموية اقتصادية فريدة من نوعها وخضعت لتطور سريع جعلها في مقدمة دول آسيا الحديثة، أما شعبها فهو مسالمٌ أنيق تتذوق سحر تعامله بدءاً من سلامات تانج (مرحباً) في اللغة الماليزية القومية، وتراها مكتوبة على الوجوه وفي اللوحات تعبر عن دفء وحسن الضيافة ومشاعر الصداقة والمحبة الدائمة لدى الماليزيين، وفي السنوات الأخيرة بدأت صناعة السياحة في ماليزيا بشكل مكثف وكانت من إحدى تقنيات رئيس الوزراء الدكتور مهاتير محمد في نقلة بلاده الاقتصادية إلى ماليزيا الساحرة المغرية للعالم بأسره كي يتذوقوا سحرها الشهير.

الخليجيون والسعوديون تحديداً مؤخراً بدأت هجرتهم السياحية لماليزيا، وعُرف عنها أنها قِبلة العرسان لشهر العسل والأسر المحافظة وارتبطت لديهم القناعة بتميزها ، أتفق كثيراً مع كل مبرر لاختيار هذه الدولة الأنيقة الساحرة والمسالمة شعباً وطقوساً.

في ماليزيا لن تجد تنغيصاً ملموساً في سياحتك كما يقابلك في كثير من الممارسات في الدول العربية وما الأحداث الأخيرة من تحرش وسلب وضرب وركل إلا حقائق ظهرت على السطح وإفرازات حقيقية لما يعانيه السائح السعودي، أما ماليزيا فما ينغصك فيها أن الكثير منا لا يزال يعيش تحت تلك العباءة التي أصبحت (مخصَّرةً) ولن تجد أضيق منها وهي (خصوصية) مجتمع في ثقافة السفر؛ في الطقوس والأكل والتجمعات والتسوق والبحلقة نحو المرأة السعودية وحجابها حتى عباءتها السوداء والنظرة الازدرائية لأنفسنا وللآخرين.

يزور ماليزيا سنوياً أكثر من 15 مليون سائح من جميع أنحاء العالم ويعتقد الكثير ضمن موسوعتنا (الأفضل) أن نسبة السياح الخليجيين والسعوديين هي الأكثر تحديداً ولكن الواقع هو توقيت زيارتهم في الصيف فقط ليخيل لنا أنهم المحرك الأول اقتصادياً وسياحياً ودينياً.

وما جعل تلك النظرة مفروضة أنك تجد خارطة سفر (ربعنا) الذهنية متمركزة في كل بلد لا تتجاوز نقطتين تحديداً في الغداة والآصال في الصباح والمساء، فبين لوبي فندق فينيسيا إلى سوليدير بيروت، والشانزليزيه إلى ميدان شارل ديجول ومنطقة مونبارناس في باريس، وشارع إدجوار رود الشهير إلى مقاهي منطقة نايتسبريدج ومحيطها في لندن، وكوالالمبور لم تسلم من تلك الهبة الفكرية فشارع العرب الذي اشتهر به شارع

Bukit Bintang يأتي في مقدمة مزار الخليجيين وهو شارع ليلي حيوي مزدحم بالمارة ومحلات المساج، يميزه وجود بعض المطاعم العربية وبعض الفنادق والأسواق فاختلفت الآراء حوله من ناحية استحقاقه لهذه السمعة وأهمية زيارته أو حتى السكن به ولكن يبقى تميزه في (بحلقة) العربان لبعضهم ومفاخرةً بين أطول لي شيشة وأكبر صحن كبسة بالتبولة !!

أما تسوقهم فتجدهم بين المجمع التجاري بافليون

Pavilion ومجمع التايم سكوير أما على نطاق المدن والجزر فهم لايتعدون زيارةً بين جزيرة بينانج ولنكاوي وجنتنج هايلاند، وبهذا أجزم أن كل من أتى إلى ماليزيا ولم يزر سوى تلك المناطق فهو لم يزرها وقد فوت على نفسه سحر ماليزيا الحقيقي.

بقي أن أبارك للعرسان المتجهين لماليزيا والذين تُميزهم بسهولة فتجد حميميةً وتشابك الأيدي يفوح حرارةً وولهاً وخوفاً في وقت معاً، داعياً لهم أن تدوم عليهم الحميمية أيضا عند رؤيتهم أثناء وقوفك أمام إشارة مرورية في السعودية!