تبدو كل انتخابات أميركية مهمة بالنسبة للشرق الأوسط على نحو أو آخر، غير أن هذه الانتخابات تفوق ربما ما سبقها - في العقود الأخيرة على الأقل - من زوايا متعددة. أولها أنها تحدث في لحظة تراجع فيها النفوذ الأميركي في العالم – ومن ثم في المنطقة – إلى أدنى درجاته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي. ويقول الباحث الأميركي المعروف أنتوني كوردسمان إن هذه التراجع يرجع لأسباب متعددة أبرزها على الإطلاق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الولايات المتحدة منذ خريف 2008 والصعود المتواصل لمراكز جذب دولية جديدة أخرى مثل مجموعة "بريكس" التي تضم البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا والعملاق الصيني بطبيعة الحال والاتحاد الأوروبي.
ويفسر كوردسمان - الذي يشغل الموقع الرئيسي في أبحاث الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية - ذلك بقوله "لا تزال الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأكبر في العالم، ولا يمكن تحديها على هذا المقياس. فالقوة العسكرية لكل من هم بعدها في قائمة أكبر 10 دول من ناحية الميزانية العسكرية والقدرات القتالية، لا تعادل مجتمعة بعد قدرة الولايات المتحدة في هذا المجال. ليس بوسع الأوروبيين التصرف عسكريا بدون واشنطن، كما أن من الصعب على الصين أن تؤثر في محيطها الإقليمي عسكريا بسبب التواجد الأميركي هناك"، إلا أن كوردسمان لا يجادل أيضا عند الإقرار بأن هناك تراجعا نسبيا في تأثير واشنطن الدولي.
وفيما يفسر كثيرون في واشنطن هذه التراجع بأنه ناجم في حقيقة الأمر عن سياسات إدارة الرئيس باراك أوباما التي نزعت بصورة منهجية إلى التردد وعدم الحسم وما سماه الرئيس الأميركي بالقيادة من الخلف، فإن كوردسمان يقلل من مسؤولية أوباما عن هذا التراجع قائلا "نحن نترجم قدراتنا الإجمالية على ساحة العالم إلى سياسات ومواقف معينة. وحين تواجه تلك القدرات أزمة داخلية كالتي نواجهها الآن فإنه لا مناص من أن تنعكس تلك الأزمة على ترجمتنا لإرادتنا في العالم".
سياسة مترددة
وفي كل الأحوال فإن السنوات الأربع الماضية شهدت بالفعل تجنبا أميركيا للحسم خاصة في الشرق الأوسط. ويضع هذا التردد الانتخابات الحالية في ضوء مختلف، إذ إن الأسئلة التي تتدافع في هذا المجال تتعدد وتتزاحم. فهذه الانتخابات تحدث في مرحلة من التقلبات العنيفة في المنطقة. كما أن الإدارة المقبلة ستواجه برنامجا نوويا إيرانيا أكثر تطورا مما كان عليه الحال حين تعهد الرئيس أوباما خلال حملته في 2008 بوقف إيران، كما أنها ستواجه وضعا في سورية لم يعد يحتمل الانتظار إلى أطول من ذلك. ويضاف إلى هذا الملف "المحول" من كل إدارة إلى تلك التي تليها، أي ملف القضية الفلسطينية.
وفي ذلك يقول الأستاذ في مركز بيلفر بكلية الدبلوماسية بجامعة هارفارد أولي هاينون "الإدارة المقبلة ستواجه وضعا شائكا بالنسبة لإيران. فالسماح للإيرانيين بتخصيب اليورانيوم هو مخاطرة استراتيجية بكل المقاييس لسبب بسيط وواضح هو أن الإيرانيين سيتقنون العمليات الفنية المتصلة بهذا الجانب من النشاط النووي، كما أنهم سيطورون أجهزة طرد مركزي جديدة تماما وقادرة على التخصيب بسرعة كبيرة وبكميات كبيرة أيضا. إن الحديث عن حصر نسبة التخصيب في 20% مستفز للعقل، لأنه يصدر عن أشخاص لا يعلمون أن بالإمكان التقدم دون معوقات نحو التخصيب إلى مستوى اليورانيوم المعد للسلاح النووي. إن من يصل إلى 20% يعتبر قد قطع 90% من الطريق. ثم إن الحديث عن أن إيران لا تمتلك قدرات على تحميل أي رأس نووي على صاروخ أو تفجيره بالإلقاء من طائرة مثلا وهو حديث ردده نائب الرئيس جوزيف بيدن خلال مناظرته مع المرشح الجمهوري للموقع الثاني بول رايان هو حديث مستفز أكثر، لأن مجرد قيام إيران بتجربة نووية في صحرائها يمكن أن يغير خريطة الشرق الأوسط من الوجهة الاستراتيجية بصورة كاملة. ولن يتسنى حين ذلك منع القوى الإقليمية من أن تمتلك بدورها أسلحة نووية، بصرف النظر عما إذا كانت إيران تمتلك صواريخ تتيح استخدام رؤوسها النووية قتاليا ومن الناحية العملية".
مفاوضات أميركية- إيرانية
وتابع "في حالة إعادة انتخاب الرئيس أوباما فإن هناك حديثا يتردد عن احتمالات بدء مفاوضات مباشرة بين البلدين واتباع منطق التنازلات المتبادلة، أي رفع جزء من العقوبات مقابل وقف أحد جوانب البرنامج النووي، أو إلى خطوة أخرى مشابهة تتصل بذلك البرنامج. ولا أعرف إلى أي حد يمكن أن يوفق أوباما في ذلك ولكنني أعرف أنه لم يكن موفقا في خطوات سابقة تجاه الإيرانيين من دعوتهم للمفاوضات لإرسال رسائل إلى قادتهم لتقديم تنازلات أعتقد أنها كانت متعجلة خلال مفاوضات طهران مع مجموعة 5+1".
وفسر هاينون احتمالات فشل المفاوضات المقبلة التي يقول أوباما إنه يمكن أن يبدأها مع الإيرانيين بعد إعادة انتخابه بقوله "أولا لا يمكن رفع العقوبات عن إيران بمجرد قرار من البيت الأبيض حتى لو سلمت إيران كل مكونات برنامجها النووي، وهي لن تفعل ذلك بطبيعة الحال. فالشريحة الأعظم من تلك العقوبات سنت بواسطة الكونجرس ومن ثم لا يستطيع الرئيس إلغاءها. وثانيا فإن التجربة مع الإيرانيين تدل على أنهم سيقدمون جزءا مما لديهم ثم سيحتفظون بما يكفل لهم العودة إلى ما يفعلونه، أي محاولة صنع سلاح نووي فور تفجر أزمة دولية جديدة في أي بقعة من العالم على نحو يضمن انشغال العالم بتلك الأزمة. وثالثا فإن اختصار المشكلة إلى مشكلة البرنامج النووي هو تبسيط ساذج للخلافات مع إيران. إن الخلاف مع إيران يتصل بمجمل سلوك القيادة الإيرانية وليس فقط بالبرنامج النووي. البرنامج النووي هو أحد عناصر الأمر. إنه نتيجة وليس سببا".
تشدد رومني
فماذا سيفعل رومني إذن مع إيران فيما لو فاز؟
يقول الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ماثيو ليفيت "لن يدخل رومني في أي مفاوضات مباشرة على أساس شروط، لها في تقديري طابع شكلي، مثل تلك التي وضعتها إدارة أوباما. رومني سيتمسك طبقا لدراسة طاقمه في السياسة الخارجية فقط بأن تتخلى إيران عن مجمل السلوك العدواني الذي أثمر البرنامج النووي. إنني أتفق مع البروفيسور هاينون في أن حصر المشكلة في حدود نسبة التخصيب أو وسائل الاستخدام العملي هو بلاهة سياسية. وأعتقد أن طاقم رومني يدرك ذلك جيدا. وحين تتشكل الإدارة الجمهورية الجديدة فيما لو فاز رومني فإن النتيجة المباشرة ستكون تجميد مشروع التفاوض المباشر مع الإيرانيين. أما الأثر الأبعد فإنه سيكون تشديد شروط التوصل إلى اتفاق على نحو يضمن أن تصرف إيران نظرها بصورة كاملة عن البرنامج النووي أو أن تواجه العواقب".
ويقول ليفيت " ليس من الضروري أن يعلن رومني شن الحرب أو تكرار تجربة العراق. إن أمامه خيارات كثيرة أخرى وهي خيارات عرضت على إدارة أوباما ولكنها رفضت لأسباب غير مفهومة. إن الرهان على العقوبات باعتبارها العنصر الوحيد الذي يكفل أن تقبل إيران بشروط مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية هو رهان خاسر. ليس هناك سابقة تاريخية تثبت صحة ذلك. والأرجح أن النظام سيواجه بعض الصعوبات إلا أنها لن تكون كافية لإنهاء سياساته. كما أن المفاوضات لن تفعل ذلك. إن رومني ينوي تطبيق حزمة من السياسات الأكثر حزما، منها الاعتماد على القوات الخاصة والعمليات الاستخبارية لتعطيل مفاصل من البرنامج النووي، بالإضافة إلى فرض عقوبات أكثر شدة بكثير مما نراه الآن".
الملف السوري
وفي حالة سورية فإن أوباما يواجه لوما حتى من بعض الديموقراطيين الذين يشعرون الآن بأن هناك "خطأ ما" في استراتيجية الرئيس. ويقول هؤلاء المنتقدون إن النتائج التي وصل إليها الوضع في سورية الآن كان يمكن توقعها مسبقا ومن ثم العمل على تجنبها. وقال الباحث والمعلق الأميركي أندرو تابلر في ذلك إن الشكوى من انتشار المتطرفين في سورية كانت في واقع الأمر نتيجة لسياسات أوباما، ومن ثم لا ينبغي تحويلها بصورة سحرية إلى سبب للسياسة الحالية التي تمتنع عن دعم المعارضة السورية بدعوى أنها راديكالية.
وشرح تابلر ذلك بقوله "لو كانت الإدارة الأميركية قد تبنت موقفا أوضح وأكثر حزما في دعم المعارضة وإسقاط الأسد لما استمر الوضع على ما هو عليه لمدة تتجاوز العام ونصف العام، ولما تدهور إلى ما نراه الآن. وتقول الإدارة إنها لا تستطيع تسليح المعارضة بالأسلحة الثقيلة والصواريخ المضادة للطائرات بسبب انتشار المتطرفين في صفوفها ومن ثم احتمال أن تستخدم تلك الأسلحة في وقت لاحق ضد أهداف أميركية على نحو ما حدث في أفغانستان. والسؤال الذي لا تريد الإدارة الحالية الإجابة عليه هو: لماذا إذن تركت الوضع يتدهور حتى تحول إلى بوابة مفتوحة تجذب المتطرفين من أنحاء العالم الإسلامي للقتال؟. لماذا لم تتدخل من البداية لإنهاء هذه المأساة؟"
فماذا سيفعل رومني في هذا الأمر؟ يقول تابلر "لقد أوضح الحاكم رومني ما ينوي أن يفعل. إنه سيقرر فورا إمداد المعارضين السوريين بالأسلحة الثقيلة والصواريخ المضادة للطائرات على نحو يحسم الأمر بصورة نهائية وفي غضون فترة قصيرة نسبيا. وسوف ألخص رأيي في احتمال تسرب تلك الأسلحة إلى إيد معادية للولايات المتحدة في كلمتين. إن وجود هذه الأسلحة ولو بأعداد محدودة في إيدي عدد من العناصر غير المتطرفة في المعارضة السورية وهي كثيرة يمكن أن يقلب ميزان القوى ويقنع الأسد بالوصول إلى حل دبلوماسي، ولكن الرئيس أوباما لن يفعل ذلك فيما سيفعله ميت رومني".
وثمة قضايا أخرى كثيرة يمكن أن تتحدد بنتائج الانتخابات، منها مثلا هذا الاستخفاف الذي أبدته الإدارة الديموقراطية بمسألتين أساسيتين هما الاستقرار الإقليمي والقضية الفلسطينية. فقد ساهمت الإدارة الديموقراطية في استكمال عملية الإخلال المنهجي باستقرار الشرق الأوسط من خلال مواقفها مما يسمى بالربيع العربي، كما أنها تركت عملية السلام تلفظ أنفاسها الأخيرة دون محاولة واحدة للتدخل عدا العبارات البليغة والتصريحات التي "تجبر الخواطر" دون أن تعالج ما يكسرها من الأصل.
من هو الرئيس؟
ولكن هل سيفوز رومني إم إن الأرجح أن يفوز أوباما؟
لا يمكن حتى هذه اللحظة المتأخرة من السباق الانتخابي الرد على هذا السؤال الذي كان محسوما حتى نهاية سبتمبر الماضي، ولكن على من يتابعون النتائج على شاشات التلفزيون التركيز فقط على عدد من الولايات لن يتجاوز أصابع اليد الواحدة. فالولايتان اللتان تلعبان الآن دور بيضة القبان هما أوهايو وفيرجينيا. ولم يسبق لرئيس أميركي في الذاكرة المعاصرة أن فاز بالانتخابات دون أن يفوز بأوهايو. إلا أنه حتى هذه القاعدة تتعرض للمساءلة الآن. فهناك استطلاعات للرأي العام تقول إن موقف رومني ليس سيئا في أوهايو ولاسيما بين الناخبين البيض من الطبقة الوسطى، غير أن أوباما يعتمد على "تحالف" بين الناخبين من أصول أفريقية أميركية وأولئك الذين من أصول أميركية لاتينية والنساء ممن لم يتزوجن بعد والناخبين الأصغر سنا. ولا يمكن الاستهانة بهذه الكتلة العددية الكبيرة. لقد حسم المتقدمون في السن موقف ولاية فلوريدا لصالح رومني بسبب كون الولاية مقرا لحياة كثيرين من المتقاعدين. وهكذا فإن فلوريدا باتت خارج السباق، كما أن نورث كارولينا باتت بدورها خارج السباق.
ويلعب لحساب رومني عنصر مهم هو أن ناخبي أوباما قد لا يذهبون إلى التصويت من الأصل. فهم ليسوا بنفس القدر من الحيوية السياسية مثل القاعدة الجمهورية. كما أن أوضاعهم الاجتماعية عادة أقل من المتوسط العام لمعيشة الأميركيين، ويعني ذلك أن حصتهم من التعليم ومن القدرة على الحشد السياسي هي قدرة أقل شأنا من قدرة مؤيدي رومني.
ولكن هذا العنصر ليس مهما إلى هذا الحد في أوهايو أو فيرجينيا. ومن المحتمل أن يفوز رومني بفيرجينيا، ولكن من الصعب الآن أن يفوز بأوهايو بسبب حمق حملته الانتخابية التي نشرت إعلانا ينسب إلى شركة جنرال موتورز نقلها عمليات إنتاج سيارات الجيب إلى الصين، وهو الأمر الذي كذبته الشركة رسميا على لسان مديرها، فضلا عن ذلك فإن رومني وافق على إعلان إفلاس شركات السيارات الأميركية فيما قرر أوباما أن يدعمها ماليا من الخزانة العامة. وبسبب ارتباط سكان الولاية المعاشي بصناعة السيارات فإن نسبة كبيرة من ناخبيها لا تشعر بالارتياح لموقف رومني.
وفي فيرجينيا تنقلب المعادلة على نحو ما. ففي تلك الولاية تكتسب ميزانية وزارة الدفاع أهمية ما تكتسبه صناعة السيارات في أوهايو. ولأن أوباما يميل إلى خفض ميزانية وزارة الدفاع فإن الولاية تميل الآن لصالح رومني. غير أن الميزان لا يزال معلقا في الهواء دون أي قدرة على الحسم. ربما يتمتع أوباما الآن بتقدم طفيف للغاية على منافسه، إذ إن المتوسط العام للاستطلاعات على المستوى القومي يمنح المرشح الجمهوري 47,3% فيما يحصل الرئيس على 47,7%، إلا أن القول إن أوباما سيفوز أو أن رومني سيفوز يبدو قولا متعجلا حتى لحظة إعلان النتائج النهائية. ومن المحتمل أن تتأخر تلك النتائج على نحو ما شاهد العالم في فلوريدا في 2000 ولاسيما بسبب ضيق هامش التقدم في ولايات الحسم وتعليق الأمر على حفنة ضيقة من الأصوات في بعضها. ويمكن لهذا التأخير أن يضيف إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية هذه المرة ما سبق أن أضافه إليها في سباق آل جور وجورج بوش من دراما. والمؤكد في كل الأحوال أن العالم سيتابع لحظة بلحظة ما يحدث، ذلك أن انتخاب أحدهما لن يكون مساويا لانتخاب الآخر كما يقول البعض. فالفارق بين الاثنين فارق ملموس سواء في الأسلوب أو في الأهداف.