ارتفعت حرارة قدمي صديقي الشهر الماضي فجأة في هزيع الليل. فذهب إلى الطبيب "جوجل". سأله عن سبب ارتفاع الحرارة في قدميه. أمطره الدكتور "جوجل" بإجابات غفيرة. أحدها أنه ربما يعاني من ارتفاع السكر. وأخرى أنه قد يكون مصابا بارتفاع ضغط الدم. ولم تخل الإجابات من احتمال تعرض أعصابه لخلل ما قد يؤثر على توازنه وحركة أطرافه مستقبلا. هاتفني صديقي وهو في حالة نفسية يرثى لها كأنه يحتضر. أخبرني أنه يخشى أن يذهب إلى العيادة ويتلقى نبأ سيئا يشبه لكمة مفاجئة على وجهه. يقول إنه منذ أن تصفح إجابات السيد "جوجل" وهو يحترق من رأسه حتى أخمص قدميه. لم تعد الحرارة تخترق أقدامه فقط، بل جسده بأسره.
حاولت أن أقنع صديقي بزيارة الطبيب؛ لعله يخمد الحريق الذي نشب في أرجائه، لكن دون جدوى. فهو يخشى أن يثبت الطبيب مزاعم "جوجل" رسميا. حاولت والأصدقاء جاهدين أن نخرج صديقنا من أزمته. أن نخرج معا. بيد أنه كان قانطا يائسا. يحضر معنا وعلامات الحزن تعلو وجهه. يخاف أن يصبح مصيره مثل مصير أمه التي قضت بسبب مرض السكر أو جده الذي يعاني من مشكلة مزمنة مع أعصابه.
أكدنا له أن كل ما قرأه مجرد تأويلات وتكهنات والفحص وحده هو الذي سيبطل مفعولها ويعيد إلى وجهه السعادة المفقودة. وهو الذي سيطفئ جنوح خياله ويأسه. لكنه رفض الفكرة جملة وتفصيلا مؤكدا أنه لا دخان من غير نار. وأن الحريق الذي يشتعل في قدميه لابد أن يكون له سبب وجيه. وجزمنا أن رفضه زيارة الطبيب سواء كان مريضا أو خلافه ليس حلا ناجعا بل هروبا إلى الخلف. فهو يخسر يوميا المزيد من الكيلوجرامات والساعات ماضيا إلى الهلاك.
بعد أن استنفدنا كل الخيارات لم نجد حلا سوى أن نقنع أحد زملائنا الأطباء لزيارة صديقنا المحترق، آملين أن نضع حدا لاشتعاله. حمل طبيبنا حقيبته وذهب إلى شقة صديقنا مستجيبا لندائنا وإلحاحنا.
اطمأن الطبيب على ضغطه ثم أجرى تحليلا سريعا على معدل السكر في دمه. ثم قام بالتجول بسماعته على صدره. ولمس قدميه بتأن. ثم رفع رأسه باتجاه صديقنا تعلوه ابتسامة فائقة وقال له إن كل نتائج الفحوصات السريعة التي أجراها لا تشير إلى وجود أي مشاكل صحية. وأن الحرارة التي اندلعت من قدميه ربما تغادر فجأة كما جاءت فجأة. ولقطع الشك باليقين طلب منه الطبيب أن يراجع عيادته لإجراء فحوصات شاملة ودقيقة. وبالفعل قام صديقنا بكل الفحوصات المقترحة وكانت كل النتائج سلبية. فقد أظهرت أن صديقنا يتمتع بصحة تتفوق علينا أجمعين. وقد غادرت الحرارة التي اشتعلت في قدميه فور أن سمع نتائج الفحوصات السعيدة.
إن الكثير منا تعرضوا لموقف مشابهة لما تعرض له صديقنا. فكلمة واحدة أو جملة نقرأها أو نسمعها قد تقتلنا نفسيا. وتوهمنا بمرض لم نصب به بعد. لذا يجب علينا أن لا نسلم أنفسنا للمرض والوهم واليأس والاجتهادات. وكما قال الصينيون قديما: "لماذا نلقي بأنفسنا في الماء قبل أن تغرق السفينة؟".
ثمة مسؤولية ملقاة على عاتق كل منا وتتمثل في إسعاد من حولنا بكل ما أوتينا من قوة. علينا أن ندرك أن ما نسكبه أو ننثره واقعيا أو افتراضيا سيلامس غيرنا. سيصافحهم أو يصفعهم. فللكلمة أثر بالغ في إدخال الفرح أو الحزن إلى أعماقنا. في شعورنا بالمرض أو الصحة.
يقول الطبيب الأمريكي من أصل لبناني، مايكل دبغي، "إن الطبيب العظيم ليس الذي يملك يدا ماهرة، بل الذي يملك وجها باسما. يطرد الأمراض بابتسامته ولسانه. فنصف العلاج نفسي ومعنوي".
لنكن جميعا أطباء باسمين نغمر الجميع بالفرح والسعادة والسرور. ونطرد الأمراض والأوهام والشكوك من حولنا بابتسامة لا تطير من وجوهنا، وكلمات محفزة لا تجف من ألسنتنا وأصابعنا.