على مدى الأشهر الستة الماضية كانت زوجة المزارع هشام الزير وبناته يستيقظن قبل شروق الشمس قبل أن تشتد حرارة الجو ويخبزن خبز التنورالتقليدي في فرن من الطين يرجع تاريخه إلى قرن مضى في منزلهم بمحافظة إدلب الزراعية. وبدلا من أن يبيع الزير قمحه كله للحكومة كما كان يفعل عادة قرر هذا العام أن يبقي نحو ثلثه ليضمن لزوجه وأطفاله الستة ما يكفيهم من الطعام وسط الصراع الدائر في البلاد.
وقال الزير في فناء منزله الريفي على مشارف بلدة الدانة في إدلب وهي منطقة تلال وزراعات زيتون "أبقيه لنأكل منه حتى يخفف الله عنا وتتحسن الأمور". والزير واحد من العديد من المزارعين السوريين الذين كيفوا انتاجهم مع الأوضاع الراهنة خلال الأزمة من أجل انتاج ما يكفي لاستهلاك الأسرة وللاستخدام في المقايضة بمنتجات أخرى.
ويعيش نحو 80% من سكان إدلب في الريف بالمقارنة مع 40% فقط من سكان سوريا لتصبح المحافظة أكثر محافظات البلاد ريفية. وفقراء الريف من أبرز الداعمين للانتفاضة وتحملت بلداتهم وقراهم عبء حملات الجيش لسحق المعارضين. وغيرت الأزمة الراهنة اتجاه خروج سكان الريف إلى المدن مثل دمشق وحلب المستمر منذ عشرات السنين وعمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء إذ يهرب الآن الكثيرون من العنف في المدن عائدين إلى القرى. لكن الصراع يظل قريبا منهم على أي حال. وقال عمر الناطور بعد يوم من قصف الجيش لمنزله في بلدة في إدلب "ضربت قذيفة مورتر اثنتين من أغنامي ودمرت الفناء".
والناطور (45 عاما) أب لستة أبناء لم يعد قادرا على الذهاب لعمله في مصنع مملوك للدولة ينتج الأسمنت للبناء في حلب لأنه يقع في منطقة يطلق فيها قناصة الجيش النار على مخابيء المعارضين فلجأ إلى زيادة دخله المتواضع عن طريق تربية الماشية والأغنام.
وقال فاروق المسوس من حزانو بإدلب وهي بلدة تشتهر بزراعة الزيتون "الناس تدبر أحوالها بأقل القليل. لا تنس أن بعض الناس يبقون بالكاد على قيد الحياة". وعلى امتداد الريف السوري ظهر نوع جديد من التجار يوردون المواد الغذائية للمجتمعات المعزولة حاليا. وقال صالح الشواف الذي كان يعمل كهربائيا في السابق "ساكن الريف لا يتمكن من الحصول على احتياجاته من المدينة لذلك يعتمد على التجار الجدد الذين يشترون مباشرة من المزارعين في القرى المحلية".