من أكثر الأزمات التي يعانيها المواطن السعودي والمقيم ندرة الحمامات العامة في المدن وتردي صيانتها وانعدام نظافتها، ولهذا يعاني الرجل "الحاقن" إذا مر بهذه "الزنقة" نتيجة للاحتياج الطبيعي، وتزداد ورطته مع الازدحام المروري الذي تشهده مدننا الكبرى، والحال مع هذه الورطة لا يقتصر على الرجل فقط لكنني تمثلت به لغلبة خروجه المتكرر يومياً بالسيارة، وإلا فالنساء والأطفال يعانون من نفس المشكلة. فهم في الغالب لا يجدون انتشاراً للحمامات العامة، وإن وجدوها فإن قذارتها الفائقة لا تشجع الإنسان السوي على ارتيادها، وهذا السوء في صلاحية الحمامات وكذلك ندرتها ينطبق على دورات المساجد والجوامع التي تعوم في برك الاتساخ وعدم الصيانة، وفوق هذا فإنها تغلق بعد انقضاء الصلوات. وثمة مبررات مضحكة وسخيفة لإغلاق الحمامات العامة إجمالا، وهي الخشية من أن تكون وكراً "للصائعين" ومكاناً للاستخدام الجنسي!! ولأن "الفحولة" و"الجنس" هما الشغل الشاغل لأولياء وأوصياء الأخلاق الحميدة فلا غرابة من اتخاذ ذلك حجة لغلق الحمامات العامة.
ومع ذلك فإن ندرة ووساخة الحمامات العامة لا تخلو من فضيلة وإيجابية، فالحاجة إلى الحمام أحياناً تقسرك على صلة الرحم أو التواصل مع الأصدقاء حتى لو لم تكن زيارتهم مدرجة حينها في برنامجك، لكنك مع تورطك ولكونك خارج المنزل ولغياب الخيارات العامة فإن البعض يضطر للمرور على من يعرف في الجوار للسلام عليه ثم دخول الحمام!! وأحياناً تضطرك الحاجة أو "الزنقة" في حالة البعد عن المنزل وعدم وجود قريب أو صديق في الجوار لدخول أحد المطاعم أو المقاهي لاستخدام دوراتهم المائية بشكل يدفعك لطلب قهوة أو عصير من باب الحياء والشكر للمطعم أن وفر "للمزنوق" هذه الخدمة الأساسية.
والحقيقة أننا في المملكة لا نضع اعتباراً لوجود الحمامات العامة، ولا لنظافة الحمامات حتى في مدارس البنات والبنين، والتي تتسم من أيامنا حتى الآن بالقذارة. والحقيقة أنني لا أجد تفسيراً لديمومة إهمالنا لدورات المياه في المدارس والأماكن العامة إلا أن يكون السبب هو في كوننا قبل التنمية والتمدن أهل صحراء وبرارٍ شاسعة فيها فسحة لقضاء الحاجة في الخلاء وفي الهواء الطلق، ولعل هذا هو الذي جعل المخططين لمدننا يستكثرون علينا وجود الحمام بمتطلباته الحديثة ويكتفون بإنشائه ثم إهماله من بعد، وهذا هو ما يبرر سؤالي لمجلس الشورى عن: ماذا أفعل إذا صرت محشورا؟!
ما أثار عندي هذه الهواجس "التحتية" ـ أكرمكم الله ـ هو التوصية الإضافية التي تقدم بها أحد أعضاء مجلس الشورى ودعا فيها وزارة الشؤون البلدية والقروية للتوسع في إنشاء دورات المياه في المدن والمحافظات، لكن بقية زملاء هذا العضو أنّبوه وقرعوه، وكأن لسان حالهم يقول له: "آها.. بس.. أفاعليك ما عاد بقى إلا هذي. لقد أنيطت بنا مهمة طرح القضايا الوطنية الكبرى، وعليك مثلما علينا أن نترفع عن مثل هذه التوصية "المخيسة". دع هذه الصغائر لغيرنا فلنا الهموم العالية فقط".. كأن أعضاء مجلس الشورى في هذا الحال يتمثلون قول المتنبي:
إذا غامرت في شرفٍ مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
أما أنا وكثيرون غيري فإن توصيتنا الأساسية والإضافية، والصغرى والكبرى، والأولى والأخيرة؛ لإخواننا أعضاء مجلس الشورى هي أن "يطمنوا" رؤوسهم قليلاً ويلتفتوا للقضايا التي يرونها "مسيئة" و"معيبة"، وهي كذلك لأنها تسيء لتقدمنا وتعيب تحضرنا.
على مجلس الشورى أن يولي اهتمامه لقضايا استخدام الطرق العامة والقيادة المتخلفة للسيارات، وعدم التزامنا بالطوابير، والركون إلى نهج الأنانية السقيمة التي تجعل بعض الناس يتجاوزونك بسياراتهم لمجرد أن يكون الأول عند الإشارة حتى ولو أغلق عليك منفذ الاتجاه لليمين أو الدوران لليسار.. أو أولئك الذين يزاحمونك ويكاتفونك في مواقع الخدمات العامة فقط لأن أحدهم يظن أنه المستعجل الوحيد. أيضاً على مجلس الشورى التوصية بمعاقبة الذين يرمون فضلاتهم ومقذوفاتهم عبر نوافذ السيارات، لأن فاعلها يمارس أنانيته المفرطة لتكون سيارته الخاصة نظيفة ولا يكترث بحق الغير.
تتعدد السلوكيات المتحضرة التي نفتقدها أثناء تعاملنا مع التطور الذي نعيشه، ابتداء من حمامات المدارس التي تتخلق فيها عادات الطلاب إلى غيرها من القضايا الوطنية التي تضعنا في حال التزامنا بها على قضبان قطار الحضارة والتمدن، والذي نتخلف عنه بسبب الكثير والكثير من هذه السلوكيات "المتوحشة"، وبسبب هذا الترفع البرلماني غير المنطقي.