هكذا أجابت جدتي "حمدة" فور انتهاء "السحيماوية" بالتساؤل اللغوي المربك: ما جمع "امرأة"؟ وما مفرد "نسوة"؟ وقبل أن تحسبها "تَتَدَوْنَسُ" مع "أدونيس" في كتابه الشهير: "مفرد بصيغة الجمع"، سافرت في عينيها غيمتان رماديتان، تمخران قيظاً لاهباً وحنيناً: يكتب زميلك الوطني/ "عبدالله العلمي" في سلسلته الشهيرة:" نساء من بلادي"، عن "الثمار"، فلمَ لا تكتب أنت عن "الأشجار"؟ وأقوى الأشجار، وأقسى الأشجار، وأكثر الأشجار شوكاً هي: الأشجار الصحراوية! وعمتك "تركية بنت عبد الهادي" إحدى تلك الأشجار العريقة، و... أدركت جدتي "حمدة" غفوةٌ هانئة!
ومعنا على الخط المخرج والمؤرخ المسرحي: "علي السعيد"، وقد طرح سؤالاً منذ "مبطي": كيف تفسر التناقض في نظرة البدو للمرأة، حين يعدونها رمز الشرف، ويقدمون أرواحهم فداءً لها، وفي الوقت ذاته لا تأتي على ألسنتهم إلا ويقولون: أكرمك الله؟
وهو سؤال يخلط بين ثقافتين: نسق الأجداد، أصحاب النظرة الراقية للمرأة، ونسق أبنائهم الذين تعلموا في الكتاتيب أن المرأة عورة ونجس!
ولم يمنح الأجداد تلك المنزلة للمرأة تفضلاً منهم، بل هي التي انتزعتها عنوة، وفرضتها عليهم! فلقد كانوا يطبقون فلسفة "نيتشة" ـ يرحمكنكم الله ـ في "السوبر مان"، ونظرية "دارون" في الانتخاب الطبيعي وفق قانون: "البقاء للأقوى"، على الرجل والمرأة دون تمييز!
وعمتي "تركية"، وهي فتاة في منتصف السبعينات، فرضت احترامها على النسق الأول، ومرغت أنف النسق الثاني في الوحل، بموقفين تاريخيين لايقفهما إلا "أشاوس النساء"!
الأول: حين حملت زوجها/ "ضيف الله بن سعود" ـ وهو فارس وحكيم تحسب له القبيلة ألف حساب ـ على الانتقال من قريته "الصويدرة"، إلى "الحناكية"؛ لأن ابنيها آنذاك ـ مطلع الستينات الميلادية ـ "سعود بن ضيف الله"، و"عوض بن رويشد" ـ اليتيم الذي أرضعته وكفلته ـ أنهيا المرحلة الابتدائية، ولا توجد متوسطة إلا في "الحناكية"! وظل هذا الموقف "نادرةً" يتفكه بها المعاصرون، ويسخرون من هذا الفارس الصنديد يترك "ربعه" استجابةً لزوجته، التي أثبتت الأيام بعد نظرها، فقد واصل أبناؤها جميعاً: "سعود"، و"عوض"، و"سعد"، و"عبداللطيف"، حياتهم بنجاح منقطع النظير، فيما قعدت الهمة بكثيرين لم تكن أمهم "تركية"!
والموقف الثاني: هو إصرارها على مواصلة ابنتها الوحيدة/ "سعدى" تعليمها حتى أصبحت "معلمة"، في بيئة لم تكن تكترث بتعليم الأولاد! ثم كسرها قاعدتي: "البنت لولد عمها"، و"الحرمة مالها شور في الزواج"! حيث أصرت أن يكون ذلك القرار بيد البنت نفسها، مهما كان حجم "الجاهيات" الخاطبة!
فهل تراه كثيراً في حق عمتي "تركية"، لو أطلقوا اسمها على ثانوية البنين ـ لا البنات ـ في "الصويدرة"؟