أعجبني وأثلج صدري، حكم صادر من محكمة القطيف الجزئية، في حق زوج قام بضرب زوجته وإيذائها، فلجأت الزوجة إلى الشرطة التي أحالت القضية إلى المحكمة الجزئية. فكان الحكم بحق الرجل ثلاثين جلدة في مكان عام، وهذا إذا كان متناسبا من وجهة نظري مع الإيذاء الجسدي والنفسي الذي ألحقه بزوجته، التي يردد الرجال، ولعله واحد منهم بماله من قوامة عليها والتي تفرض عليه حمايتها لأنه الأقوى، لا أن يستخدم قوته للبطش بها. لكن ماذا عن الظلم المترتب على القيام بفعل الإيذاء ابتداء؟ وماذا عن إمكانية تكرار هذا السلوك الذي ينم عن تشوه فكري يتعلق بالنظرة الدونية إلى الزوجة، التي جعلته يقدم على فعل الضرب والتحقير تجاهها؟
لذلك لجأ القاضي إلى الأحكام البديلة المناسبة والدقيقة جدا.
فكانت كالتالي :
أولا: يلزم الزوج بالدراسة في أحد المعاهد المتخصصة لتعليمه فن التعامل مع الزوجة، وإلزامه باجتياز الاختبار التحريري في آخر الدورة، لضمان استيعابه.
ثانيا: إلزام الرجل بالعمل في الفترة المسائية لصالح مستشفى الصحة النفسية في مدينة الدمام، تحت الإشراف المباشر لمدير المستشفى، وتقديم ما يثبت ذلك، بعد انتهاء المدة.
ثالثا: تعهد الزوج كتابيا بعدم تكرار فعلته.
وإني وإن كنت أشيد بمثل هذه الأحكام المستوفية لكل جوانب القضية، حيث لم تعتمد على فعل الإيذاء الوقتي والظاهر، بل وضعت في الحسبان الحالة النفسية والفكرية لمن قام بهذا الفعل، التي قد يعاني من تشوهها وقصورها الكثير من الرجال الذين لم يترجموها بعد في شكل عنف ضد المرأة، لكنهم ليسوا في مأمن. ولعل المرأة في مجتمعنا الذي يعاني من السلطة الذكورية، والمرأة المعنفة بشكل خاص، بحاجة لمثل هذه الأحكام التي تنصف المرأة بشكل عادل، فضلا عن اعتمادها على نفسية الرجل المعنِّف بكسر النون، فهي لا ترسخ لمظلومية ما في نفس المرأة تجاه الرجل والمجتمع على المدى البعيد أو حتى العكس، فمع افتراض جهل الرجل وتلوث فكره ونظرته للمرأة بفعل البيئة أو التربية، فهو من خلال العلاج النفسي والمعرفي والسلوكي، سوف يتخلص من كل هذا وتستقيم نظرته لهذا الكائن (المرأة)، فيسعى هو إلى تقييم سلوكه والحكم عليه. وليت القضاة الكرام بدورهم ينتظمون في دورات تدربهم على تمحيص سلوك الجاني ومعرفة نفسيته، وربطها ليس فقط بإدانته من عدمها، بل بنوعية الأحكام الصادرة عليه في حال إدانته.