تعمدت اختيار (الفريضة الغائبة) عنوانا يسم مقالتي على صفحات "الوطن" الخميس قبل الماضي.. ومع أن التعاليم الدينية تأمر بالستر، وتحث على درء الحدود بالشبهات، إلا أن غيرة التأصيل لمرجعيات التطرف دعت أحدهم للاحتساب فبعث بي مخفورا إلى شبكة الإنترنت بتهمة انتحال العنوان إياه بوصفه اختراعا تعود حقوقه الفكرية لمرجع مرموق في فقه التطرف والغلو.

ومعلوم مدى اشتغال موميا التخلف بالغيبيات التي تدر النذور وتتوسل الخرافة وتتناول النصوص وتفرض على مجتمعاتنا الارتهان لمناحات الوعي الزائف لتمضي الأزمنة وهي على عادتها في الندب وشق الجيوب والتضرع إلى المستقبل بالأضرحة والوعود الخادعة وتعدد الفرائض الغائبة المتشيئة بين إمام غائب امتدت كربتنا من أجله 14 قرنا ولم يحن الوقت المناسب لأتباعه حتى تواتيهم الحجة بأسباب فرجه أو بين من يدعو لاستباحة الحياة مجتهدا في طلب المنعة والنصر بأدوات الموت.. ماذا لدينا أو في مقدورنا القيام به إزاء الفرائض الغائبة وهي تتلهى بزوابع الفوضى القاتلة. ماذا نستطيعه لإقناع شاب من إياهم بالعدول عن تفخيخ جسده طالما اختمرت في ذهنه فكرة الموت كأولوية تبرر العجز عن مواجهة تحدي الحياة.

لسوف نراه أو نسمع به يحمل أكفانه متأثرا بقدرات جماعته على ابتكار الأحزمة الناسفة والعبوات الموقوتة وإفادتها الجمة من تكنولوجيا (الكفار)!! وكيف أنها اكتشفت رابطا يمسخ الأدوات السلمية من هواتف محمولة وأحزمة طبية وتقنيات أخرى ليصار حالها إلى وسائط تذكي الفتيل وتتشظى مع أشلاء البشر..

الفكرة العدمية لا تحترم العقل ولا تعوزها حاجة إلى المنطق، إنها تتقعر في رواغ الأقبية السحيقة من حقب التاريخ وتبحث دائما عن المندثر من روايات العصور البائدة منقبة باستمرار عن نص تتعسفه خارج سياقه الزمني ومقتضياته الحياتية وبواعث الحاجات الدعوية المتزامنة معه.. وكثيرا ما يقع الشباب المحروم من الرفاهية في شراكها لتغدق عليهم تعويضاتها السخية المشروطة بانفجار الحزام الناسف!

انظر كيف يبدو توقيع جماعات القاعدة في اليمن علامة مستعارة لطرف سياسي يمارس إسقاطاته الابتزازية والثأرية على ذمة جريمة خطف الدبلوماسي السعودي عبدالله الخالدي.. وهنا يكون السؤال الحائر.. ما نوع الفريضة الغائبة التي يتوارى خلفها أشد أنماط الفساد والاستبداد سوءا في حيواتنا المعاصرة..

لم يعتر التطرف يوما بمثل هذه الشاكلة التي انطوت عليها صورة الجماعات القاعدية إثر خطف مدرسة اللغات السويسرية في اليمن (سلفيا ابراهرت) واشترط الحصول على 5 ملايين دولار مقابل إطلاق امرأة نذرت نفسها لرسالة العلم في بلدان الرجال الأقحاح المجاهدين ضد أقراط النساء!

ولأن جهاد النفس أزكى درجات المجاهدة لهذا تبرز أهمية التعاطي مع الفرائض المغيّبة عن وعي وثقافة وحاجات الشعوب عوضا عن التأويل العدمي الملتبس أحيانا والفادح في معظم الأحايين لمسمى الفريضة الغائبة أو بالأحرى الفريضة المفخخة النابعة من مجاهيل الدوغما.

وببساطة شديدة فإن المغيب من الفرائض العقدية لا تجسده الأحزمة التي يحملها شباب لم يتذوقوا مسرات الحياة لكنه يتمثل في الدليل الإرشادي المُستكشِف قدراتهم على إبداع وجودهم الزاخر ووعيهم رسالة الاستخلاف تعمير الأوطان وقهر الصعوبات التي تعترض طريق المسلمين لإثبات وجودهم الحضاري الكريم على وجه الأرض.

الفرائض المغيبّة هي تلك التي لا يقوى على مواجهتها صناع التطرف ممن لا يتأملون إلى ملابسهم أين تصنع ولا إلى مراكبهم من أين تجيء؟

ويصح القول إننا أيضا دعاة المدنية ومروجو ثقافة الإبهار باسم الحداثة وقيم العصر تتوغل في أعماقنا مفاعيل مفخخة تحدث دويها الهائل في مجرى علاقتنا اليومية بما نبشر به من قيم أو ندعو له من مثل..؟

نحن أيضا نخوض المعارك الدنكوشية مع الآخر ونغفل عن مجاهدة ذواتنا المتقوقعة في نرجسية الأنا وما يصاحبها من أورام عديدة غرار احتباساتنا الأيدلوجية والحزبية وغياب عناصر الاستقامة والنزاهة والمصداقية في علاقة النخب السياسية والفكرية بمجتمعاتنا الأمر الذي يضعف قوى التنوير ويشل فعالية الشعوب أمام التنظيمات المتطرفة لدرجة أن يبدو مصطلح (الفريضة الغائبة) متعدد الاستخدامات حكرا على أحد منظري القاعدة كما في رأي متابع شديد التحسس والغيرة على مكاسب التطرف في وطننا العربي وأمتنا الإسلامية..

وفي مقامات الذهول ما من أمة يمكنها التخلص من شوائب التخلف إذا لم يكن لديها دليل إرشادي دنيوي يبلور موقفها من تحدي الاستخلاف وبناء مجتمع الكفاية..