وليد الكاملي
على غرار نصيحة الفنان نهاد قلعي المشهور بحسني البرزان التي كان يقدمها لرفاق المرحلة في رائعتهم الدرامية (صح النوم) حين قال: إذا أردت أن تعرف ما يحدث في إيطاليا، فعليك أن تعرف ما يحدث في البرازيل. وانطلاقاً من ذات النصيحة فإنني أقول: إذا أردت أن تعرف مصير العالم العربي بعد إطلالة الربيع الذي زار أكبر وأهم دولة، فعليك أن تتعرف على مؤشرات التخلف الذي يفترض أن يكون هذا الربيع يهدف للخلاص منها للنهوض بخارطته الحضارية من مصاف دول العالم الثالث لمصاف خرائط دول العالم الثاني على أقل تقدير.
ولأن سؤال التخلف حسب الكاتب الجميل شايع الوقيان (يقتضي ثنائية الأنا والآخر ولكن بصيغة معينة: هي صيغة الأنا/ المتخلف الذي يدخل في صراع تاريخي طويل وعلى كافة المستويات مع الآخر/ المتقدم). وبالعودة قليلا للأنا العربية الجديدة؛ أنا ما بعد الربيع العربي، إن جاز التعبير، والتي اتهمها البعض بالتضخم مع تحفظي الشديد على هذا الاتهام لأنها بكل بساطة مازالت تعيش صدمة الانتصار، وبعد اجتيازها لمرحلة الشعارات والتبريرات التي وقفت عائقا أمام نهوضها وتقدمها والتي يمكن اختزالها في عدم صلاحية المناخ الحر الذي يفضي بالضرورة للقدرة على الوقوف مباشرة أمام كل أسئلة التخلف التي يعيشها عالمها العالم العربي كون الحرية وبالنظر لتاريخ الأمم المتقدمة كانت المخلَص والمعبر الذي انطلقت منه هذه الأمم لسيادة العالم بأسره، الأمر الذي يجدر من خلاله القول بأن الكرة أضحت في ملعبها أي في ملعب هذه الأنا العربية الجديدة.
ولأن المرحلة التي يمر بها العالم العربي الجديد، وإن كان واضحاً وجلياً أنها مازالت مرحلة مخاض تشوبها الكثير من الضبابية، إلا أنها مرحلة لن تتكرر على الأقل مع الجيل الذي قادها مع بالغ التقدير والعرفان للجيل الذي تسلق عليها، ولذلك فإنه ومن الواجب الذي تحتمه أخلاقيات الثورة أن يكون سؤال بحجم سؤال التخلف حاضرا ضمن الأدبيات الجديدة، والأهم من كل ذلك أن تتجاوز طبيعة السؤال أنساقها التاريخية العربية التي كانت تلح على الحضور بطبيعتها السلبية المبنية على استحضار مفهوم التقدم والتماس معه كحلم يشفي شيئاً من الغليل الذي يسكن الوجدان العربي والذي كان نابعا من الحسرة والأسى على ما وصل إليه الحال العربي الذي قالت الأدبيات التاريخية إنه تسيد المشهد الحضاري لبرهة من الزمن، الأمر الذي أثار حفيظة الحضارات الأخرى حينها ودعاها لسبر غور سؤال التخلف لا بوصفه إسقاطاً نفسياً كما حدث مع عالمنا العربي على امتداد بلغ أكثر من ثلاثة عقود، بل بوصفه منفذاً للخروج من دوائر التخلف إلى دوائر التقدم الذي يتبوؤها الآن.
أخيراً، ورغم كل الضبابية التي مازالت تكتنف المشهد كما ذكرت سابقاً، إلا أن التاريخ الفكري الحديث لدول الربيع العربي يشع بالعديد من الأسماء الفكرية التي طالما أثرت المكتبة العربية بالكثير من الأطروحات التي تتعلق بسؤال التخلف بكل تجلياته وأبعاده حتى وإن كان جلها إن لم يكن كلها قد استقى نظرياته من أطروحات غربية سبقتها في قراءة سؤال التخلف، الأمر الذي يخلق شيئاً من الطمأنينة على مستقبل حضور هذا السؤال – سؤال التخلف- الذي تم إقصاؤه بفعل فاعل نحمد الله أنه رحل غير مأسوف عليه.