التعليم شكل من أشكال التواصل الإنساني. الحقيقة الأولى هنا هي أن التعليم لا يحدث إلا من خلال التواصل. لا توجد طريقة أخرى لحقن أو نقل المعرفة بين إنسان وإنسان آخر إلا بالتواصل. سيكون المستبدون أو المتطرفون سعداء جدا لو كانت هناك طريقة أخرى أسرع وأكثر فاعلية لتحويل الإنسان الآخر إلى نسخة معدّة سلفا. ما نعرفه إلى الآن أن عملية التربية عملية طويلة وبطيئة ولا تزال تعتمد على التواصل بين الناس بكافة أنواع التواصل الطبيعي، السماعي والمرئي أو عن بعد كما في وسائل التواصل الحديثة.
العلاقة بين الطالبة والمعلمة (سأستخدم الضمير المؤنث ولكن حديثي يشمل الذكور أيضا) كانت ولا تزال موضوع بحث وفحص من قبل الباحثين. البعض درس هذه العلاقة المساحة التي تتشكل بين الطالبة والمعلمة، أي العلاقة التي تخلق مساحة مشتركة بين الاثنتين. آخرون تجاوزوا المساحة المشتركة بين الطالبة والمعلمة إلى تصور يشمل الطالبة والمعلمة بشكل كامل باعتبار الطابع التواصلي عند الأفراد. آخرون درسوا العلاقة بين الطالبة والمعلمة في السياق المحيط بهما أي من خلال السياق الثقافي والاجتماعي في المدرسة. هذا المنظور يأخذ بعين الاعتبار طبيعة شبكة العلاقات المتعددة التي تنخرط فيها المعلمة والطالبة داخل المدرسة وخارجها. هذه الشبكة يمكن أن ترسم لنا بشيء من الوضوح طبيعة العلاقة بين المعلمة والطالبة. المنظور الذي أريد أن أتكئ عليه هنا بشكل أساسي هو منظور مارتن بوبر للعلاقات الإنسانية.
بحسب بوبر العلاقات الإنسانية تأخذ شكلين: الأول (الأنا-الآخر)، الثاني (الأنا- الشيء). النوع الثاني يعني أن يتعامل الشخص مع شخص آخر على أنه موضوع أو هدف لغرض معين لا أكثر. بمعنى أن الشخص يحوّل الشخص الآخر في تواصلهما من إنسان كامل إلى مجرد غرض أو هدف معين يريد تحقيقه. في هذه العلاقة الشخص الثاني هو شيء أو موضوع وليس ذاتا مقابلة. بحسب باولو فريري فإن أي علاقة يقوم فيها (أ) من إعاقة (ب) عن التصرف كإنسان يتحمل مسؤوليته الشخصية هي علاقة استبداد أو بحسب بوبر علاقة (أنا-شيء). في المقابل النوع الأول (أنا-آخر) يحدث التواصل بين إنسانين يتمتع كل منهما بحريته وحضوره الإنساني الكامل. بحسب بوبر وحده التواصل بين البشر يأخذ علاقة (أنا-آخر) كل علاقاتنا الأخرى مع الأشياء تأخذ شكل (أنا- الشيء). من المهم أيضا الإشارة إلى أن الأنا في العلاقتين تختلف. الأنا في علاقة (أنا-آخر) تختلف عنها في (أنا-الشيء) باعتبار أن الأنا تأخذ معناها أصلا داخل العلاقات. الأنا التي تتعامل مع الآلة غير الأنا التي تتعامل مع الإنسان. ولذا يرى باولو فريري أن العلاقة الظالمة تشيئ الإنسان أو تحطّ من قيمته وتقرّبه أكثر من كونه شيئا غير بشري. المستبد هنا لا يتعامل مع الآخرين على أنهم بشر بل على أنهم أشياء لا تحضر إلا كموضوع لسلطته. ولذا نجد أن جون ديوي لا يرى التعليم إلا من عين ديموقراطية، بمعنى أنه يرى أن العلاقة الديموقراطية داخل التربية هي الوحيدة التي تكفل أن تكون العلاقة من نوع (أنا-الآخر) وليس من نوع (أنا-الشيء).
لتوضيح الفرق بين العلاقتين أكثر تعالوا نتأمل ما نسميه في مجتمعنا بعلاقة المصلحة. أي العلاقة التي تتم بين شخصين على أنها علاقة طبيعية بين إنسانين (أنا-آخر) ولكنها في حقيقتها (أنا-شيء). نعلم أن هذه العلاقة مؤلمة ومهينة. الكثير من الناس يتألمون حين يشعرون بأن العلاقة التي جمعتهم علاقة محدودة لتحقيق غرض معين لا أكثر. يشعرون بالاستغلال وأنه تم التعامل معهم بطريقة غير مقبولة. الإنسان الطبيعي لا يقبل بأن يتحول إلى مجرد شيء في علاقته مع الآخرين. لاحظي أن موظفة البنك مثلا لا تشعر بالإهانة مثلا حين تقتصر علاقتنا معها على إنجاز غرض معين لأننا جميعا باختصار دخلنا هذه العلاقة بإرادة ووضوح واختيار. في المقابل العلاقة المهينة التي ندخلها ثم تؤلمنا هي علاقة صداقة أو محبة ندخلها كبشر كاملين ثم تظهر الحقيقة على أن أحد أطراف العلاقة لم ير في الطرف الآخر إلا أنه موضوع لغرض معين يريد تحقيقه لا أكثر. بمعنى أنه تعامل مع هذا الآخر كوسيلة لا غاية أو كشيء لا إنسان.
للفيلسوف الوجودي هايدجر توضيح رائع في أننا لا نعرف الآخر حقيقة إلا حين نخرج عن العلاقة الاستعمالية معه. أي حين نكف عن استعماله أو التفكير فيه على أنه آلة. يعطي هايدجر مثال المطرقة التي لن تظهر لنا كما هي حتى تنكسر، أي حين تعود إلى شيء لا يمكن استخدامه. هنا تبدو المطرقة لنا كما هي، أي كما هي قبل أن تكون مطرقة، أي قبل أن نختصر هويتها في طبيعة استعمالنا لها. علاقة (أنا- الشيء) كما هي في علاقة المصلحة، علاقة مؤذية ومهينة، لأنها تستبعد الجانب الإنساني من الآخر، حريته وحقوقه الأساسية. في التربية، خصوصا في التربية التقليدية، تكفّ علاقة (الأنا-الشيء) عن الظهور على أنها علاقة غريبة أو شاذة أو حتى مخفية، بل تظهر بوضوح وبشكل معلن مما يجعلها تتجاوز الوعي والشعور بالإهانة الذي يمكن أن يقاومها. هنا تصير علاقة طبيعية من خلال الثقافة والسياق العام المحيط بها. بمعنى أن الطفل يدخل إلى علاقة (أنا-شيء) على أنها علاقة طبيعية.
العقد التقليدي بين المدرسة والأهل والذي يحضر فيه الطفل على أنه شيء يفترض إعداده لغرض محدد وهويّة محددة لا رأي له فيها. أي دخول الطفل في آلة إنتاج وخطة معدّة سلفا لحياته هو دخول في علاقة (أنا-شيء) أو كما سأضيف لاحقا على تصنيف بوبر النوع الثالث علاقة (شيء-شيء). المقالات اللاحقة هي عن معلمة تعي طبيعة هذه العلاقة وترفض الانخراط فيها وتريد إصلاحها من الداخل.