والله الذي لا إله إلا هو أنني غير قادر على فهم وإدراك عدم إخلاص عدد ليس بقليل من الناس في عملهم، وعدم خشيتهم ممن سيسألهم ذات يوم عن كل صغيرة وكبيرة وعما اؤتمنوا عليه، وعن الأمانة التي أضاعوها، وعن الأموال التي أهدروها، وعن سوء إدارتهم لأعمالهم وعدم إخلاصهم فيما أسند إليهم من مهام.

أحاول دائما أن أفهم على أي سند، ووفق أي مبدأ، وبناء على أي معتقد يظن هؤلاء أنهم مصيبون وعن السؤال معفون، وأحيانا تستفزني تصرفاتهم إلى الحد الذي يلفت انتباه من هم حولي، فيسارعون مرددين عبارة يظنون أنها ستخفف من حالة الغضب التي أنا عليها، أو حالة الاستغراب التي تحاصرني ليصفعوني بعبارة التبرير قائلين: (ذمتهم واسعة).

أنا هنا لا أتحدث عمن يسرقون الأموال بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا أتحدث عن المرتشين، بل أتحدث عن أي موظف أو مسؤول تسند له مهام محددة وتعتمد له ميزانيات مالية وفيرة ورغم ذلك لا يحسن استخدامها، ولا يخلص في كيفية إدارتها ولا يبالي في آليات صرفها.

أنا أتحدث عن الموظف أو المسؤول الذي ليست لديه أوليات ولا يهتم بتقديم الأهم على المهم، ولا يكترث بمن يئن ويشكو، ويركض إلى من يعاني من التخمة.

أنا هنا لا أتحدث عن الجائع ولا عن المحتاج للمال والطعام، بل أتحدث عن مشاريع طرق ومدارس وإنارة وماء وكهرباء ومنشآت صحية وخدمات عامة.

وللتمثيل لا الحصر، أعجب من جهة تعيد سفلتة شوارع قائمة وجيدة، وتزيل أعمدة الإنارة لتستبدلها بأعمدة جديدة، بينما تشكو أحياء أو قرى من عدم وجود تلك الخدمات البتة!

وقس على ذلك من يصرف الملايين على مشاريع ترفيهية، بينما الناس تشكو من وجود قصور ونقص في الأساسيات.

إنها بالفعل (الذمة) حينما تضيع، لكن العشم في الجهات الرقابية التي يفترض بها أن تهتم بشكل أكبر لهذا الأمر القاتل والمستفز، وتضيق الخناق أكثر على عديمي الضمير.