أربعة من أطفالي، من أولادي يتبعون خطاي اليوم دراسة على الأرض الأميركية. هم لا يعلمون أنني أكتبهم هذا المساء بعيون دامعة حزينة مثلما لا يعلمون أن قلبي ينظر إلى نهايات القمر في هذه اللحظة، لأنه يشرق عليهم وكأنه الصورة الوحيدة المشتركة بين قلب حزين وبين أولاد لا يبالون بالدموع على القطعة الشرقية من هذه الأرض. هم لا يعلمون أنني خضت ذات الدروب المؤلمة الحزينة، ذات يوم، دون أن يبكيني أحد ودون أن يسأل عني أحد. دون أن يتحسس فرد على هذه الأرض ذات أحزاني التي ابتدأت ذات مرة بذرة على ذات الأرض الأميركية. هم لا يعلمون وطأة غربتي التي امتلكت كل ذاكرتي منذ أولى خطواتي في جورجيا حتى هذه اللحظة، وهم لا يعلمون أن آلام غربتي مثل أشجار العرعر: حين تنمو لا تموت، هم لا يعلمون أنني أشفق عليهم من كل دمعة فراق وأبكي عليهم لمجرد ذاكرة الأسماء، فالأولاد كالأشجار إذا كانت حقولها مثلي، صفراء بالغة الخصوبة. كيف سأكتبكما أيتها (المنيرتين) وأنا الذي أرسمكما اليوم (ظلاماً) في أواخر هذا الليل الحزين البهيم؟ وكيف أستعيدكما وأنتما بقايا من ألبوم داكن على أطراف سرير أختكما (لمى) التي تركتماها لقادمها المعسول المجهول؟ كيف يمكن لي أن أرتفع إلى الخيال المستحيل لأحملكما بين يدي في شوارع (تورنتو أو بتسبيرج)؟ كيف أنت أيتها الأثيرة الأغلى الأحلى (شرُّوف)، آخر الطيور التي هجرت هذا الشرق لتأخذ منه ومن عيني آخر بقايا الشمس؟

كيف هي (بالتمور)؟ وماذا ستكون (ميرلاند)؟ وكيف هي تلك الشوارع التي شهدت مساقط دموع أبيك في مثل لياليك الحزينة الرمادية الداكنة؟ كيف أنت يا (سعد) الذي لا يحمل من (سعادتي) إلا بقايا الخيط الكاذب حين خذلتني وأنا الذي أحتاجك في أحلك الظروف؟ هل عثرت على أولى دموعي في (بولدر)؟ وهل وجدت بقايا (شال والدتي) الذي ضاع مني في زحام شيكاغو البائسة؟ هل تبعت خطاي، فارساً، لتعرف بقايا (عمك) الأثير مع مساقط الدموع والحزن؟ هل سنلتقي في كل هذا الشتات المخيف وعلى هذا المقال لنبكي معاً قصة الفراق والبعد؟