قام حكيم ياباني في القرن السابع عشر بنحت رسم على أحد أبواب المعابد لتوثيق أحد أهم النقاط لمدونة قواعد سلوك آنذاك. اتخذ الحكيم من القرد وسيلة لتصوير دورة حياة الإنسان، ولذلك فقد قام بنحت ثلاثة قردة، أولها يغطي عينيه حتى لا يرى الشر، والآخر يغطي أذنيه حتى لا يسمعه والأخير يغطي فمه حتى لا يتحدث به. دبت الحياة في هذه الرسمة لتصبح مبدأ عالميا يختلف عليه الشرق والغرب، فهو دلالة على الأخلاقيات العالية شرقا ومقولة يُلمز بها الانتقائيون في الغرب ليختزلوها بـ "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم"، أما القردة الحكماء الثلاثة لدينا فما زالوا يتأرجحون كتأرجح القردة على الأشجار ما بين هذا وذاك، في تتبع واضح لمكامن الموز الوفير.

ضجت الصحف ووسائل الإعلام بمتابعة ورصد مشكلات الصحة في محاولة لنقل الرأي العام وإيصاله كأحد المنابر المتوفرة، إن لم يكن الوحيد في ظل عدم وجود الجمعيات والمؤسسات الأهلية. هذا الحراك الإعلامي مؤخرا قام بكشف مشكلة أكبر من مشكلات وزارة الصحة، وهي صمت المنابر. توارت هذه المنابر عن الأنظار وعن مطالبات الشارع ومعاناته بتفاعل ضعيف جدا وكأنها بانتظار الفائز بغنيمة الموز الأكبر لتشدو معه وتقتات على مخلفاته.

المنابر أنواع وأشكال، والمدني منها لا وجود له لدينا، ولكن ماذا عن البقية؟! منبر هيئة حقوق الإنسان كالصامت أمام خرق أهم الحقوق الإنسانية، وهي الصحة في انتقائية واضحة، جهلا أو عمدا، ويغض الطرف وكأن ما يحصل من وفيات وضحايا من ضعف وزارة الصحة وأدائها ليس كافيا لبدء حملات للمطالبة بالحفاظ على هذا الحق الإنساني المكفول للجميع ومحاسبة منتهكيه.

منبر مجلس الشورى يستمر في صمته وعدم تفاعله مع مطالبات المواطنين بحمايتهم من ضعف أداء هذه الوزارة الخدمية، فلا استدعاءات للمسؤولين التنفيذيين في الوزارة للتباحث معهم في هذا الضعف ومواطنه، ولا تفاعل يذكر مع الإعلام أو الجمهور، حيث إن الحوار خلف الستائر المسدلة لا يعد تفاعلا ولا يحسب ما لم يكن شفافا ومعلنا.

المنبر الديني والذي عزل نفسه عن بعض أحداث المجتمع، فأين دوره مما يحصل من سوء خدمات صحية أدت إلى التهلكة وفقدان النسل وضعف أفراد المجتمع؟ نحن دولة تحكم بالشريعة الإسلامية والتي تقوم مقاصدها الأساسية على حفظ النفس والدين والعقل والمال، فكما أن هناك هيئات شرعية للبنوك ورئاسة عامة للبحوث والإفتاء وهيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها في تركيز على حفظ الدين والمال، فنحن بحاجة لمنبر ديني متفاعل لحفظ النفس والعقل وصحتهما.

المنبر القانوني الضبابي، لا نعلم إن كان وجوده حقيقة أم سرابا، فلا وجود فاعل لمحامي القضايا الصحية، وهو غير المستغرب لعدم وجود المحاكم الصحية المتخصصة وعدم وجود أنظمة قانونية لها، وبالتالي فإن أي قضية صحية ستحال لديوان المظالم أو للهيئة الصحية الشرعية ذات الاجتهادات الشخصية المحدودة والتي نعلم أنها غالبا ما ترفض العديد من حالات الشكاوى الصحية لعدم الاختصاص. هذه الثغرات القضائية الواضحة تدفعنا للاعتقاد بأن المنبر القانوني سيكون الأشد ضراوة بين المنابر، ولكنه حكيم لا يتحدث لا بسوء ولا بخير.

أصبحت المدن باختلافها رئيسة وطرفية تغص بالكليات الصحية بمختلف التخصصات وكليات القانون والشريعة، وللأسف فإن دورها غالبا هو امتداد للتعليم العام السلبي أحادي الاتجاه، فليس هناك تفعيل لمنابر التعليم العالي بمبادرات ومساهمات. قد يعود السبب مجددا لعدم وجود نظام للجمعيات والمؤسسات الأهلية والذي متى ما وجد سيسمح بتكوين النقابات الطلابية وتفعيل دورها، إلا أن هذا المنبر أخرس لم يحاول أعلامه وما يملك من طاقات شابة بين جنبات جامعاته ومبتعثيه، ولو للتأريخ، المبادرة بطرح الحلول وأن يكون المحرك للربط بين مشاكل المجتمع مع الصحة والإعلام وصناع القرار.

وزارة الصحة بحاجة لحلول قريبة وبعيدة المدى. بعضها بسيط لا يحتاج للجان وتحقيقات تهدر المال العام على أعضائها، وبعضها معقد وبحاجة لخارطة طريق جادة ذات منابر عدة بخط زمني واضح يتم الاستثمار بها لتعود بفوائد جمة لن تجنى ثمارها خلال فترة وزارية أو اثنتين.

صمت بعض المنابر مريب، لأنها غالبا ما تصم آذاننا عن طرح مواضيع منفصلة عن اهتمام الرأي العام وهموم المواطن، فلا هي صمتت عما لا يهمنا، ولا هي نطقت بالحق وبالأمانة الموكلة إليها وتحركت لتخرج نفسها عن النقطة العمياء التي لطالما ألزمتها الصمت الانتقائي.