على كرسي متحرك، شيخوخة لم تعد ترى للحياة طعما، أودعت في دار المسنين وصار الزمن عدادا متناقصا تجاه النهاية المحسومة، يدلف إلى القاعة مدفوعا مع نفر من أقرانه الذين ودعوا الشباب والصحة منذ أمد لكنهم لا يزالون متشبثين، بمعنى أن تكون موجودا ولو لمجرد الوجود فحسب.. كان الحفل الذي دعت إليه جمعية الثقافة والفنون في أبها للمعايدة حالة إبداعية استنطقت ضيوفها من دار المسنين بعد أن جعلتهم البادرة الإنسانية ضيوف الصف الأول ووزعت عليهم غرائر الريحان والبرك والورد، شعرت لحظتها أن أرواحهم تستيقظ من سبات عميق ورتابة طالما أثقلت حياتهم، حين توالت الفقرات الشعبية الراقصة كان شيخ الكرسي المتحرك بطل الرقصة بامتياز كان حالة إبداعية وحده على الرغم من أنه لا يستطيع سوى التصفيق الممزوج بابتسامة صادقة، والنظر إلى الجمع بعينين حانيتين تذرفان فرحا في صمت.
الحالة الإبداعية حين تحضر ليست في حاجة إلى مقدمات، يعرف ذلك كل من دخلها وسيطرت عليه لتحيطه برونقها الأخاذ فلا يلبث أن ينعزل بكله عن محيطه ليلج عالمه الخاص.. يحلق فيه ويتنقل من روض إلى روض، وهذا جمال وسمو، لكن الصعوبة كل الصعوبة تكمن في مقدرتنا على التماهي مع حضور الحالة الإبداعية ومعرفتنا بإرهاصات التجلي الإبداعي المختلف عن سيرورة الحياة المعتادة والنمط المكرر.
حالة شيخ الكرسي المتحرك مع الرقصة الشعبية نموذج تجلى أمامنا، لكن نماذج إبداعية مغايرة في فنون شتى أصبحت من المقدرة والنفاذ لأن تسيطر كذلك على المتلقي الشاهد وتأخذ بتلابيبه إلى عمق الحالة ودهاليزها متعددة الألوان، من ذلك ما يحدث لنا في حضرة لوحة تشكيلية مبدعة كالطفل الباكي للإيطالي جيوفاني، أو قصيدة "عودي" لعمر أبي ريشة، أما إذا كنا نريد دليلا صادقا على سيطرة الحالة الإبداعية دون استئذان فإن فرقة ناس الغيوان المغربية العريقة في "الله يا مولانا" كفيلة بذلك حيث يعمل مزيج من الدهشة واستنطاق المخزون العاطفي والإيماني على إحالة الحياة إلى فضاء زاه لا نطيق الخروج منه أو تجاوز لذته كما يقول رولان بارت.
لقد أضحى وصف الإبداع مشاعا لكل من حمل قلما أو ريشة أو صرخ على خشبة مسرح فيما الأمر بعيد عن مجرد الحضور المادي، فالروح الإبداعية هنا هي الركيزة فما لم تتوافر فلا إبداع ولا تأثير ولا سيطرة.