بدأت الحرب على أفغانستان منذ أكثر من 10 سنوات، ولا تزال مستمرة حتى الآن. ولم تكن الحرب الأفغانية الحرب الوحيدة التي شهدها العالم خلال هذه الفترة، فقد كانت هناك حرب أخرى، أكبر وأشرس، في العراق على مدى سبع سنوات، وكانت هناك صراعات أصغر في عدد من الدول الأخرى أيضاً. لكن حرب أفغانستان لا تزال أطول حرب على نطاق واسع في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. وقيام جندي أمريكي بقتل 16 مدنياً أفغانياً، بما في ذلك تسعة أطفال، في 11 مارس الحالي لا يمثل إلا لحظة في تاريخ هذه الحرب الطويلة، لكنها لحظة مهمة. وتقول دراسة نشرتها مؤسسة "ستراتفور" الأميركية للأبحاث في شهر مارس الحالي إنه في خلال الحرب العراقية والأفغانية، طور الخبراء الاستراتيجيون في الولايات المتحدة مفهوم الحرب الطويلة. النظرية تم تقديمها بطرق متعددة، لكن مقولتها الأساسية كانت: هزيمة قوات حركة طالبان والمقاومة العراقية ستستغرق وقتاً طويلاً، لكن النجاح لن ينهي الحرب لأن الإرهاب ومؤيديه سيشكلون دائماً تهديداً متحركاً، في كل من الأماكن والطرق التي يعملون بها. لذلك، بما أن هزيمة الإرهاب كانت ضرورية، فإن الولايات المتحدة تخوض الآن حرباً طويلة تبدو نهايتها بعيدة ومسارها مجهولاً. ويفترض هذا وضع القضايا الإستراتيجية الأخرى التي توجهها الولايات المتحدة جانباً وأن يتم التركيز على السياسة الاستراتيجية للحرب الطويلة إلى حين اختفاء تهديد "الإرهاب" أو يتراجع على الأقل. نتيجة لذلك، بحسب هذه النظرية، حتى لو انتهت الحرب في أفغانستان، فإن الحرب في العالم الإسلامي سوف تستمر إلى ما لا نهاية. ولذلك ينبغي دراسة نتائج هذه الاستراتيجية.
كان الرقيب في الجيش الأميركي روبرت باليس، الذي ارتكب المجزرة الرهيبة في أفغانستان ضد المدنيين، يمضي مهمته القتالية الرابعة. وكان قد خدم ثلاث مهمات في العراق مدة كل منها 9، 15، 12 شهراً على التوالي –وكان في حالة حرب على مدى ثلاث سنوات. ومهمته القتالية في أفغانستان كانت ستشكل السنة الرابعة. الحروب التي خاضها في تورا بورا والفلوجة كانت مختلفة عن ستالينجراد مثلاً، لكن المصاعب والخوف وخطر الموت كانت دائماً موجودة. احتمال الموت ربما كان أقل، لكنه كان هناك، وهناك رفاق ماتوا بالفعل في هذه الأماكن.
في فيتنام، خدم المتطوعون فقط فترة أطول من سنة واحدة. وبالنسبة للأميركيين في الحرب العالمية الثانية، استمرت الحرب أكثر من ثلاث سنوات بقليل، ولم يكن إلا مجموعة قليلة من الجنود الأميركيين في حالة حرب طوال تلك الفترة. أما التدخل الأميركي في الحرب العالمية الأولى فقد دام أقل من سنتين، ومعظم الجنود الأميركيين خدموا لمدة سنة أو أقل. وفي تاريخ الولايات المتحدة، الحروب الأهلية فقط استمرت الفترة نفسها لتي قضاها الرقيب باليس في حالة حرب.
الفظائع ترتكب في جميع الحروب. هذه حقيقة وليست عذراً. وكلما طالت الفترة التي يقضيها الجندي في الحرب، ازداد احتمال ارتكابه لها. وهي تجعل أرواح المحاربين قاسية ومتوحشة. لكن بعضهم يقاوم عملية "التوحش" أفضل من الآخر، ولكن ليس هناك من يستطيع رؤية الموت كل ذلك الوقت دون أن يتغيَّر. وفي الوقت ذاته إن الحروب تجعل العدو يفقد صفة الإنسانية. وما هو أسوأ من ذلك هو أن العدو المقاتل يختلط مع السكان العاديين ويصبح من الصعب تمييزه، يمتد الغضب والخوف ليشمل الجميع. ففي حالة الرقيب باليس، امتد ذلك ليشمل حتى الأطفال.
الأمر لا يختلف بالنسبة لطالبان إلا في أنهم يقاتلون من أجل بلادهم. الأميركيون يقاتلون من أجل الوطن بمعنى أنهم يقاتلون الإرهاب، لكن ذلك القتال يفقد معناه ويصبح مجرداً بعد فترة. بالنسبة لطالبان الأمر حقيقة واقعة.
عندما بدأت الحرب في أفغانستان، لم تكن هناك نظرية اسمها الحرب الطويلة. كان المفترض أن الهدف هو اقتلاع وتدمير تنظيم القاعدة، ولم تكن فكرة تحويل أفغانستان إلى حُكم ديموقراطي جزءاً من السياسة بعد. وفي العراق، كان الافتراض أن هزيمة قوات صدام حسين التقليدية لن تتطلب تكلفة عالية أو وقتاً طويلاً وأنه لن تكون هناك مقاومة لإقامة ديموقراطية موالية لأميركا هناك. احتاج الأمر إلى وقت لتتحول المهمة في أفغانستان إلى إرساء الديموقراطية، واحتاج الأمر إلى وقت لملاحظة أنه ليس كل العراقيين كانوا يؤيدون الاحتلال الأميركي.
عقيدة الحرب الطويلة التي تخوضها القوة الموجودة لا تأخذ في الحسبان فيما إذا كانت هذه القوة تستطيع أن تتحمل وتستمر في الحرب. قال وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد إن الدول تحارب بالجيوش التي لديها، ولكن فاته أنه لا يمكن الاستمرار في الحرب بالقوة التي تبدأ الحرب، كما فعلت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، ولكن يجب التحرك لحشد الشعب. لم يلاحظ رامسفيلد كم ستستغرق الحرب في أفغانستان، ولم يتوقع بشكل خاص تكلفة خوض حربين في وقت واحد. من المهم ملاحظة أن الرقيب باليس بدأ بثلاث مهمات قتالية في العراق. الحرب في العراق قد تكون انتهت، لكن نتائجها لأفراد الجيش لا تزال باقية.
ما فعله الرقيب باليس لا يمكن قبوله تحت أي عذر أو ذريعة. كان هناك كثير من الفظائع، بعضها تم تسجيله وبعضها لم يسجل، بعضها غامض وبعضها واضح، بعضها ارتكبته عناصر من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبعضها ارتكبته عناصر من طالبان. من غير الواقعي تخيل حرب تطول كل هذه الفترة ولا تحدث فيها فظائع. ولكن في مكافحة التمرد المسلح، التي يكون الهدف فيها ليس مجرد هزيمة عدو ولكن أيضاً إقناع السكان المحليين أن الانقلاب ضد المتمردين هو أفضل وأسلم طريق، فإن مجزرة مثل هذه يمكن أن يكون لها آثار استراتيجية. حرب طالبان النفسية سوف تركز على المجزرة كما فعلوا عندما تم إحراق نسخ من القرآن في فبراير الماضي في قاعدة أميركية. في الوقت نفسه، ستركز الحرب النفسية الأميركية على الجنود الأميركيين حتى يبقوا تحت السيطرة من ناحية، ولتطمينهم بأنهم ليسوا بحاجة ليخافوا من الأفغان، حيث إن تدريب الأفغان هو مهمتهم.
الحرب الطويلة دون تعديل رئيس في بنية القوات الأميركية يمكن أن يكون لها نتائج مأساوية. وإحدى النتائج وجود عدد كبير من الجنود وصلوا إلى أقصى حد التحمُّل. ما يمكن أن يقوموا به من أفعال يقلل من فاعلية مقاومة التمرد المسلح، خاصة من حيث عدم القدرة على كسب ثقة السكان المحليين. هذا يفتح الباب لازدياد نفوذ طالبان ويقلل احتمال قبولها التفاوض مع تدهور الموقف الأميركي.
هناك أربعة افتراضات استراتيجية للحرب الطويلة: الافتراض الأول أنه يمكن هزيمة الإرهاب، الثاني أن العمليات العسكرية الواسعة مثل التي يتم خوضها في أفغانستان والعراق تساعد في تحقيق ذلك الهدف. الثالث، أن بإمكان الولايات المتحدة أن تخوض حرباً طويلة مثل هذه دون إجراء تعديلات جوهرية. الرابع، أن هذا يجب أن يستمر كأساس للاستراتيجية الأميركية إلى ما لا نهاية، بغض النظر عن الأحداث الأخرى في العالم.
ويضيف تقرير "ستراتفور" أن غزو أفغانستان كان مبرراً من الناحية الاستراتيجية كأسلوب لإعاقة القاعدة ومنعها من القيام بهجمات أخرى ضد الولايات المتحدة. وغزو العراق كان يستند إلى افتراض زائف بأن العراقيين لن يقاوموا الاحتلال. ولكن مع استمرار الحرب، أصبح الموقف العسكري أكثر صعوبة فيما تم توسيع الأهداف.