في عام 1949 كتب صامويل بيكيت (Samuel Beckett) مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو" (Waiting for Godot) والتي أصبحت فيما بعد إحدى "كلاسيكيات" المسرح العالمي ومضرب المثل فيما بات يعرف "بالمسرح العبثي" (Theater of the Absurd). تدور أحداث المسرحية حول شخصيتين "فلاديمير" و "إستراجون" اللذين يوجدان على قارعة طريق مهجور بانتظار قدوم "غودو" ولكنهما في المقابل لا يعرفان من هو "غودو"، ولم يلتقياه من قبل، ولا يعلمان موعد قدومه، أو حتى في أي يوم هما، وإضافة إلى ذلك لا يعلمان لماذا يقومان بانتظاره في المقام الأول، كما أنهما ليسا متأكدين من صحة مكان وجودهما وإذا كان هو المكان المقصود بموعد اللقاء أم لا! وعندما سأل استراجون فلاديمير عن الغرض من اللقاء أجابه: "لا شيء بالتحديد"، هكذا رسم "بيكيت" عبثية المشهد بوجود شخصين غافلين عن الزمان والمكان لا يقين لديهما سوى أنه يجب عليهما انتظار "غودو" دون حتى أن يكون لديهما علم بمن هو "غودو" أو لماذا هما بانتظاره!
ربما يكون الانتظار من أصعب الأمور، خاصة وأنت لا تعلم ما تنتظر بالضبط، أو أنك تنتظر الكثير دون شيء ما بالتحديد، هذا الانتظار جعل من مجرد تمضية الوقت هدفا لكل من فلاديمير واستراجون، حتى إن فكرة الانتحار راودتهما لمجرد قتل الوقت قبل أن يقتلهما، أو ربما هو اليأس والعجز، أو ربما هو الفشل وعدم القدرة على الاستمرار في تلك الحالة، "لا شيء يمكن عمله" (nothing to be done) جملة ترددت في سياق النقاش بين الاثنين كثيرا، وهو النقاش الذي جعله الانتظار يتشعب إلى مجاهل فلسفية عبثية طُرح فيها الكثير إلا السؤال الأهم: لماذا هم بانتظار "غودو"؟ ورغم أن المسرحية تنتهي بقدوم صبي يخبرهم بأن "غودو" لن يأتي، ورغم أن فلاديمير يقول في النهاية: "حسناً.. هيا نمضي" ورغم أن استراجون يؤيده: "نعم.. هيا نمضي" إلا أن الستار يسدل دون أن يتحرك الاثنان من مكانهما.
ولكن من هو "غودو"؟ وإذا كان كلاهما لا يعرفانه فلربما يكون قد مر عليهما دون حتى أن يتنبها إليه، أو أنه قرر ألا يأتي في المقام الأول.. تأول الكثيرون حقيقة "غودو" فهو ربما يكون مجرد حالة "تجريدية" وربما يكون تعبيرا نفسيا عن حالة "الأنا الكامنة" أو هو مجرد تساؤل "وجودي" أو ربما كما ذهب البعض هو تعبير عن "الإله" في المجتمع، وبغض النظر عن حقيقة "غودو" أو من يكون، فإنه برز من خلال عدم وجوده أكثر مما كان سيبرز من خلال وجوده، ربما أتى "غودو" وذهب دون أن يتنبها إليه، أو أنه مر حقيقة وترك تأثيراً أكبر من تأثير بقائه ووجوده، وربما هو مجرد حلم.. أن يكونا بانتظاره. ولكن ما كان ليشتعل النقاش بينهما لولا انتظار غودو في المقام الأول، هل كان ذلك الانتظار إيجابياً كونه أطلق شرارة النقاش؟ أم أنه كان سلبياً كتعبير عن اليأس والعجز البشري؟ تماما كما ننتظر نحن الكثير.
ربما يكون للرمزيات دور كبير في حياتنا، أكبر حتى مما نتحمله نحن من دور للرمزية، وربما نكون نحن من يعطي للرمز معناه، إما اتساعا في التأويل أو تضييقا في التفسير، ونكون نحن في واقع الأمر من يصنع الرمز ومن يعطيه المعنى لأنه ليس إلا انعكاسا لنا.. لم يأت "غودو" إلى "فلاديمير" و"استراجون" في ذلك الطريق المهجور ولكنه كان موجودا بصورة أو أخرى.. فهل كان ذلك الانتظار غاية أم وسيلة؟ وغاية من أجل ماذا؟ ووسيلة إلى ماذا؟
بعض العبثية حولنا تصبح أكثر تعبيرا عن الواقع ومعناه، في الوقت الذي أصبح فيه الواقع في أكثر الأحيان عبثا بلا معنى. ولكن العبث فينا أو بنا يتكشف معه وجود أزمة معنى، سواء فيما حولنا أو فيما نريده.
ماذا لو كان على كل من فلاديمير وإستراجون أن يذهبا هم لـ"غودو" بدلا من انتظاره؟ هل كان واقعهم سيظل بذات العبثية؟ هل كانت الأزمة حقيقة في عدم معرفة من هو "غودو"؟ أم في انتظاره؟ قد يكون غودو شيئا محددا أو عدة أشياء أو لا شيء بالتحديد، وقد يكون الانتظار من أجله أو من أجل كل شيء إلا هو.
إذا كان العبث في بعض الأحيان يصنع معناه الخاص، فهذا المعنى وهذا العبث يظلان جزءا لا يمكن إغفاله. ويظل للرمزية دورها الكبير في فهم الأمور كما التصريح بالقول، كما للصمت معناه الذي يوازي الكلام.
عندما ننظر حولنا فإنه بقدر ما تتبدى لنا صرامة المشهد وبقدر ما تبدو حدوده واضحة فإنه في المقابل تتبدى لنا عبثية كبيرة كامنة فيه.
اسألوا الشباب في مجتمعنا عن العبثية التي تشكل واقعهم، أو الواقع الذي أصبح لهم مجرد عبث. كم منهم فلاديمير وإستراجون آخر، وكم عندهم من غودو لا يزال ينتظر قدومه. وربما هو لن يأتي وربما يكون قد جاء ومر من هنا.