على امتداد خمس سنوات مضت يمكن القول بأنها من أهم وأبرز المراحل في تشكيل المستقبل السعودي، بل ومن أكثر الفترات الزمنية تأثيرا وتحولا في حياة السعوديين، فما شهدته السنوات الخمس ليس مجرد افتتاح أو إنجاز مشروعات عادية، ولكن وقبل ذلك، فإن الإنجاز الأبرز هو إنجاز رؤية وطنية هي التي تمثل الضوء الحقيقي الذي يسير عليه الحاضر باتجاه المستقل.
الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وعلى امتداد سنوات دوره الوطني والتنموي، يدرك وفقه الله، أن القضية ليست في الجوانب المادية والعمرانية للتنمية، هكذا مجردة من أي خلفية معرفية، فاتجه إلى أن تكون الأفكار هي المشروعات، وهي أساساتها، ودعائمها الأولى، فلا يوجد أي من المشروعات التي حظيت باهتمامه وعنايته لا تمثل في الأصل فكرة وقيمة وطنية وحضارية قبل أن تكون مجرد مشروع عادي.
ربما كانت هذه من أبرز صفات المرحلة، ذلك أنها تدشين لمعرفة وطنية جديدة لا تأخذ فيها التنمية أشكالا مجردة من الأفكار والقيم والمعاني الحضارية، بل جاءت المشروعات الفكرية والنهضوية لخادم الحرمين موازية ومتسقة مع المشروعات التنموية التقليدية.
إننا في المملكة العربية السعودية لسنا بحاجة إلى مجرد جامعة واسعة وفسيحة ومتنوعة، بقدر ما نحن قبل ذلك في حاجة إلى رؤية وتصور يمثل إطار هذه الجامعة وهدفها وروحها التنموية، فالمشروعات المجردة من أفكارها، هي مجرد مبان وإنشاءات حتى وإن شهقت في علوها إلا أن تأثيراتها الحقيقية والمستقبلة تظل محدودة ونمطية للغاية.
إن مشروعا كالحوار الوطني، متمثلا في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني مثلا، يعد أساسا مؤثرا في عملية التنمية، لكونه يخرج عن الأشكال الاعتيادية للمشروعات التنموية، فهو لا يضم مباني ولا إنشاءات ولكنه يضم أفكارا ويسعى لنشر قيم تقوم على ترسيخ فكرة المشترك الوطني، والإيمان بالتنوع تحت مظلة هذا المشترك، وهي القيمة التي لا تتم إلا باعتناق الحوار سلوكا وفكرة ومنهجا، وهو ما سيخلق مناخا حقيقيا للتنمية والبناء.
على مختلف الجوانب، كانت السنوات الخمس سنوات الأفكار الوطنية الحقيقية، التي تتحرك على جهتين: الأولى تلك التي تسعى لتهذيب وتطوير أفكار الداخل السعودي، باتجاه أن تكون قيمه أفكارا وطنية حقيقية، هي التي ستمثل نقطة الانطلاق الأجدى. والجانب الثاني: القيام بالدور الفكري العالمي عبر تنفيذ وتقديم الإسلام، كأحد أبرز مكونات الشخصية السعودية، وتقديمه للعالم على أنه منظومة من أفكار وقيم الخير والسلام والود، ويكفي هنا الإشارة إلى مشروع حوار الأديان الذي أطلقه خادم الحرمين والذي يمثل الآن مبادرة أجمع العالم على أهميتها وعلى حيوية توقيتها، وهذا المشروع أيضا، يخرج من إطار المشروعات التقليدية العادية ليمثل مشروعا سعوديا باتجاه العالم وأمنه وتعايشه.
أدار خادم الحرمين الشريفين وتبنى وبمتابعة منه، أبرز المشروعات التطويرية التي تلامس مفاصل المستقبل السعودي، فأطلق وفقه الله، مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم، وهو مشروع أفكار بالدرجة الأولى، يسعى ليحمل التعليم من واقعه إلى واقع مجاراة طموح الإنسان السعودي ومسايرته وحمله إلى العالم شريكا ومؤثرا عبر الإيمان بدور المعرفة وسلطتها في الحياة الحديثة، ذلك أن التعليم ليس مجرد وزارة أو خدمة بل هو الصانع الأبرز والأهم للمستقبل السعودي، وبالتالي فالمباني الحديثة لا تعد نجاحا ولا ميزة إذا لم تكن تعمرها وتدور فيها الأفكار الحديثة والمتطورة.
على امتداد السنوات الخمس، والمجتمع يتحرك بقيادة الملك الوفي لتجاوز كثير من أنماطه التقليدية غير المتزنة التي مثلت له عوائق في سبيل انطلاقه، بدأت أفكار الحوار الوطني تؤتي ثمارها في أوساط السعوديين بمختلف شرائحهم، وبدؤوا يتحدثون عن الاختلاف والتنوع والرأي الآخر، بعد أن كانت هذه المعاني الإيجابية غائبة لصالح معان تدور حول الرأي الواحد واللون الواحد والفكرة الواحدة، وإذا ما اتسع انتشار هذه القيم المؤثرة فستمثل أول الخطوات الحقيقية للتوجه إلى تنمية وطنية متفق عليها.
الأفكار هي التي تصنع المستقبل والتنمية، ولقد مرت السعودية بأبرز خمس سنوات على مستوى المشروعات الفكرية والقيمية، والوطنية والحضارية، أدارها وبكل اقتدار ووطنية وحب لأبناء شعبه وطموح لهم بمستقبل أفضل، رائد النهضة الفكرية الوطنية.. عبدالله بن عبدالعزيز.