" في السبعينيات، وعندما كان الطالب السعودي المبتعث للخارج يستلم مبلغ 220 دولاراً شهرياً مكافأة دراسية، كنت وإخواني طلاباً مبتعثين نستلم 120 دولاراً فقط، وهكذا رُبِّينا على تدبير أمورنا المالية، فقد مرت علي أيام عملت فيها نادلاً في أحد المطاعم كي أكسب مالاً إضافياً وأتدبر أموري، انتظاراً لما كنت أستلمه من مال".. ذلك ما باح به تركي الفيصل بذكريات ابتعاثه كأحد أبناء (ملك) المملكة العربية السعودية، ولكنها استثنائية مدرسة الفيصل – يرحمه الله – حيث لا فرق بين أولاد الملك وبقية أبناء لوطن.
تلك لِبِنات تجارب تركي الفيصل وعلاقة غير آيلة للانقطاع بهموم الابتعاث والمبتعثين، بل تلك خيوط فكرة لاتتنازل أبداً عن صباها لابن الموجة الأولى من الابتعاث والعاشق له بأحاسيس مضت قد يتناسى البعض قسوتها وجمالها في زحمة الأيام، لكن ذاكرة الأمير حريصة على عدم إخفاء تفاصيل المرحلة أو الخجل منها.
وسبراً لأغوار تلك الذاكرة نجد تركي الفيصل (مبتعثاً) حتى في مواقع عدة شغلها خاصة أثناء عمله كسفير لخادم الحرمين الشريفين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وكأنه في ترحاله الحكومي والجغرافي لم يفقد هيئة وأحاسيس "فتىً مبتعث" يقفز أمام ناظريه في جولاته الكثيرة وزياراته المتعددة للجامعات، فيستمد من تلك الروح التلقائية الكامنة في داخله، ويتنقل برؤاه وخيالاته النابضة بينه وبين أبنائه وبناته من الطلاب.
عشرات السنين من حياة "تركي" في المسار التربوي والتعليمي بداية بمدرسة الملك فيصل – يرحمه الله - حتى التحاقه بمدرسة "لورنس فيل" الأمريكية متخرجاً منها عام 1963م، ثم إلى جامعة برنستون التي لم يستمر فيها إذ إنه التحق بعد ذلك بكلية إدارة الأعمال في جامعة جورج تاون التي تخرج منها عام 1968م، كانت ولا تزال لحظات لاتبارح مخيلته على مدار العمر الطويل في خدمة الوطن.
بعد أربعين عاما على خروجه منها بسطت الجامعة التي غادرها متفوقا جناحيها، واستقبلته أستاذاً زائراً لطلاب الدراسات العليا في عام 2008م بمركز الدراسات العربية المعاصرة بكلية الخدمة الخارجية في جامعة "جورج تاون".
كان أول لقاء لي به في مكتب أعضاء هيئة التدريس رقم "246" منكباً على جهازه المحمول مجهزاً لمحاضرته، تحدثت معه قليلاً ثم انتقلنا إلى قاعة بها 18 طالب ماجستير، بدأ محاضرته متبسماً لا يمل الحديث عن أمجاد الماضي السعودي، ومفاخر الحاضر بما يحمل من تحديث وتطوير لمواكبة تغيرات العصر، وطموحات المستقبل، حريصاً على نقل الحقائق الكاملة لطلابه من خلال تجربته الواسعة، وخبراته المتراكمة ناجحاً في أن يأخذ بأيديهم لتجلية كل الأسئلة في أفضل مادة دراسية تناولها "المملكة العربية السعودية".
حتى بعدما تبادل موقعه مع الوطن، وأسكَنَ الوطن فيه، حَمَلَه معه في كل خطوة يخطوها أثناء ترحاله، لم يبرح فكر تركي الفيصل حتى بعد – تقاعده – هموم المبتعثين والمبتعثات بعد أن شاركهم جزءاً كبيراً من حياته.
قبل أشهر طلب مني أحد طلابي المتميزين المتفوقين في الأكاديمية الإسلامية السعودية مساعدته بتوصيةً علمية من الأمير تركي الفيصل تساعده في القبول في جامعة (جورج تاون) وعند عودتي للسعودية حددت موعداً مع سموه والتقيته وأخبرته بطلبي فسعد لذلك مرحباً بتقديم الدعم لأبناء وطنه المتميزين وطلب مني سيرة الطالب الذاتية ثم بنبل عارم وخلال أسبوع قدمها لنا، أرسلتها للطالب الذي كان على قدر المسؤولية والتميز بحصوله على منحة دراسية من جامعة أمريكية أخرى.
مؤخرا.. قدم "تركي" محاضرةً بعنوان "الاعتدال" بجامعة الملك عبدالعزيز في جدة، وخلال محاضرته لم ينس أبناءه المبتعثين (الذين يعيش همهم تحت جلبابه) مطالبا بإلحاح وزارة التعليم العالي بتخصيص سنة تحضيرية للطلاب المبتعثين قبل إرسالهم للدول الأجنبية للدراسة لتعريفهم بثقافة البلد المتجهين إليه.
تلك الدروس من تلك المدرسة المصقولة خبرةً وثراء فكريا تجعلنا نتوقف عند قامة تمتلك رؤى مميزة للعلم ووميضاً لمستقبل أبناء الوطن ومبتعثيه، وعندما لاتكتب تزلفاً أو تطبيلاً تجزم أيضاً بأن حجم تركي الفيصل ليس بحاجة لحجج بقدر ما أننا بحاجة إلى (شاهد عصر) وتجربة تستحق!