احترم الإسلام العقل بجعله بوصلة للضمير الإنساني والفعل الاجتماعي، فالتماس إيمان راسخ بلا تفكر واختيار عقلي سيكون هشاً شعاراتياً شكلانياً يسقط مع أول محك يمتحن به الفرد قدرته الضميرية تجاه مصالحه ومحابه.

"اعرف الحق تعرف رجاله" ملخص عبارة علي بن أبي طالب رضي الله عنه القائلة "إن الحق لا يعرف إلا بالرجال, اعرف الحق تعرف أهله"، وهي قاعدة هامة في كتب الفقهاء، يستنكف عنها البعض مصرين على عكسها.

دعاني لهذه المقدمة أنني سأعرض أنموذجين بغرض إخضاعهما لميزان الحق، لنرى هل نحن حقيقة نتبع الحق أم الرجال.




الحالة الأولى من كتاب "ثورة في السنة النبوية" للدكتور غازي القصيبي عافاه الله وشفاه من كل داء. كتاب صغير اختزل سبعة أحاديث منظمة لحياة البشر في مجالات عدة لو قننت مدنيا. أحاديث مجمع على صحتها حسب القواعد الموجودة في مظانها المعروفة، والحديث المقصود عنونه بـ"نزاهة الحياة السياسية" ونصه:

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقال له ابن اللُّتيبة على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقام النبي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدية أهديت إلي. أفلا جلس في بيت أمه وأبيه حتى تأتيه هديته، إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، "اللهم هل بلغت".

يعلق القصيبي على الحديث بتوضيح تضافر عوامل عديدة تجعل الفساد ظاهرة مستشرية تنخر المجتمع من أساسه، كاستئثار الأقلية بالموارد على حساب الأغلبية، وانعدام المؤسسات التي تسهر على حماية المال العام، وذكر أن استشراء الفساد بين المسلمين جعل الغرب يربط بينه وبين الإسلام، مدللاً لفكرته بشيوع كلمة "بخشيش"المرادفة في المنظور الغربي للفساد بأنواعه، باعتبارها "كلمة إسلامية"، مبيناً أن الحديث كافٍ للقطع بأن الإسلام حارب الفساد والمفسدين، وتساءل رابطا الحديث بوقته: متى تحدث الرسول عن مصير الفساد؟ ومجيباً: في عهدٍ المسلمون فيه حديثو عهدٍ بجاهلية شعارها "الدنيا لمن غلب"، وفي مجتمع صغير ناشئ لايعرف شيئا عن قواعد الخدمة المدنية، وإلى قوم كان الجوع هو وضعهم المعتاد.

وتمنى لو كل دولة إسلامية وضعته في الصفحة الأولى لنظام موظفيها، وربطه بواقعنا قائلاً: "صور النبي عذاب من يجيء يوم القيامة يحمل بعيرا، فماذا سيكون حالنا ؟ إذا جاء الواحد منا يحمل عمارة من عشرين دوراً، أو أسطولا من السيارات الفخمة؟" تساؤل قيمي حقوقي منبعه: من أين لك هذا؟

وفي جهة مقابِلة لمقابَلة في قناة فضائية مع أحد أصحاب المشالح "الكشخة" تدور الكاميرا في بيته، الذي وصفه بالمتواضع، قياسا بالبيوت التي تمشي السيارات فيها بالكيلوات؟! كاستدلال مقاربة مقارَن لحقه نسبياً من بذخ الهدايا، قياسا أشبه بقياس باطل بباطل، يقول الضيف: في الإسلام لانرد الهدايا، مشترطاً لقبولها "ألا تغير موقفك في الحق"، فهل الحق استحلال الهدايا في ما لا حقّ لنا به؟! إنه منطق الافتقار للقيم الكبرى المغيبة.

وبدأ الدفاع عن الهدايا المليونية يأخذ طابع المقارنة الأوضح: "ما يهدى للدعاة لا يقارن ولا يذكر بما يهدى للرياضيين والفنانين، لكن الضوء مسلط علينا"! البعض يكره ابتعاد الأضواء عنه، ويتضايق عندما تسائله؟! وأبدى انزعاجه من بعض التهم كـ"التلبس بالدين"، وتوارى عن سبب إطلاقها، وهي عبارة "من غير حقه" التي وردت في الحديث الشريف السابق، فمال حق أحدهم بعشرات الملايين؟!

ثم يقرر "الداعية الذي ينساق وراء السلطة في الحق والباطل لا يستحق كرسي الدعوة، والذي ينساق للجمهور لا يستحق هذا المنصب التشريفي الذي هو خليفة رسول الله" ذهلت لهذه المقولة، فأول مرة أعرف منصبهم التشريفي هذا، مادمت خليفة للرسول، كيف لا يغضبك ما أغضبه من شأن ابن اللتيبة؟!

ربما الجواب لرأي أحد المتميزين عندما وصف حالهم "أنهم لاهون عن المال الطهور، بالماء الطهور!"

تلك المكتبة الفارهة في بيت الشيخ للأسف كان وعي القراءة فيها يتضارب مع مصالح المادة، ويتعارك مع هوى النفس، وبالأدلة المؤولة كما أريد لها، لتنطرح راغمة على تقبيل أقدام المصلحة، لاعتبارات شوهت الدين وسميت بغير أسمائها، تلكم الهدية وما أدراك ما الهدية!

لم أذكر اسم الآخر تعمداً، ما يهمني عرض وجهتي نظر لاستشفاف منطق الحق بأسلوب المقارنة، لنتحقق من مفهوم قيمي طالما غيب عن سماء الواقع وأرض المقهورين، لأجل شهوات حرامية المال العام، والمشكلة ليست في النفس ومتطلباتها، إنما في شرعنة الطمع والاستغلال، فمتى يظهر الحق ويخلع من عباءة مدعيه ومشالح متوهميه؟ متى أردنا الحق متجردا من عباءات ومشالح.

ما مقياس الهدية، وأين تتجلى في ميزان الحق والنزاهة؟ وهل يتطلب الحق لحية ومشلحا أم قولا سديداً يعترف بالحق ولو على نفسه؟ إنها الحسبة للحق.. صعبة لكنها ملزمة لأجله، وجهتي نظر وللإنسان أن يستظل تحت ظل إحداهما، وله – وكل الحق معه – أن يصدق ما تطمئن نفسه إليه، فليست مناقشتي لتصرفات شخصية ولاتتبعاً لعبثية الزلات، ففبركة مفهوم الهدية والتسويق لتوهمها إن لم تكن أكل مال مباشرة، فتقبل له ونشر لثقافته وتحت مظلة دينية موهومة. إنها الفساد بعينه أو أخته، إن لم تكن بالدم فبالرضاعة المحرمة لا رضاعة الكبير المستحدثة بالطبع.

إن القيم تدخل في أزمة عندما تنفصل عن الحياة، وهو سر معاناتنا، فنهمل تحري تفعيل وتثبيت القيم - كنز البشرية الحقيقي - واقعا ملموسا يبتهج به البشر لا مجرد شعارات نتلمسها بتأويلات تعارض العقل والضمير، وتنحو بهما جهة تقبل الظلم والفساد والبغي كواقع مؤول يخضع لحسابات الأقوياء على حساب مصالح الضعفاء ولقمة عيشهم.

يقول نيتشة: عندما نتحدث عن القيمة فإننا نتحدث بمنظار الحياة، والحياة تتطور بقدر ما نقوّمها.

يلوم الشيخ الكتاب: "إن بقينا على ما نحن عليه لم يعجبهم، وإن تطورنا لايعجبهم"، لايزعجنا التطور، ولكن التطور الفكري القيمي الذي يشغل المرء بتحقيق القيم ولايشغله عنها بقبول الهدايا.

إن تجاوز أزمة القيم في نظر نيتشة وهايدغر لن يكون ممكناً إلا عندما تصبح الحياة نفسها قيمة القيم أو تصبح القيم في خدمة الحياة.

يقول عادل إمام منتقداً وضعا اجتماعيا بسخرية لاذعة "اللي عنده لحمة يعزم اللي عنده لحمة عشان ياكل لحمة!" مسكينة لحوم الفقراء لطشت لتوزع هدايا مليونية؟! ما أرخص "لحمة" الفقير! الكل يتجرأ عليها ويشرعن سرقتها! يلتهمها الغني وهو شبعان ليحرم منها أفواه الفقراء وهم في حاجة!

طوبى للفقراء الذين لاينتظرون تسابق الهدايا لبيوتهم، ولا عزاء لهواة الدعاوى المشلحية، ومنظري الهدايا غير مأسوف عليها وعليهم..

"بغير حقه" تفسيرها الصحيح في الحديث يعني الوعي بالحالة، فهل من طبيب يداوي وضعنا المأزوم؟!