المراكب الفضائية تشدّها في الأصل ضغوط الجاذبية الهائلة للأسفل وتحتاج كي تنطلق وتتخلص من تأثير الجاذبية لعدة صواريخ قوية الانطلاق وقوية الدفع تحملها نحو مدارها بطريقة سباق التتابع، كلما انتهت طاقة صاروخ بدأت طاقة الصاروخ الآخر في إكمال المهمة. والمراكب الإصلاحية مثل المراكب الفضائية تمنعها تلك القوة لجاذبية الفساد من التحرك للأعلى ، وتحتاج لصواريخ إصلاحية ذات قوة كبيرة في الانطلاق والارتفاع ، تحملها نحو الأعلى باتجاه مدارها بطريقة سباق التتابع ، كلما انتهت طاقة صاروخ إصلاحي بدأت قوة الصاروخ الإصلاحي الآخر حتى تكتمل المهمة وتصل المركبة لمدارها فوق قوة جاذبية الفساد.
كل المجتمعات تمرُّ بحالات فساد كبيرة، والفرق أن المجتمعات التي تتخلص من أمراضها يتوافر لها صواريخ قوية تحمل مراكبها الإصلاحية للأعلى وتقاوم جاذبية الفساد، وحين تصل المراكب الإصلاحية لمدارها فوق قوة جاذبية الفساد ، يصبح الأمر سهلا، في حين أن المجتمعات التي تستمر أمراضها هي التي لا تتوافر لها تلك الصواريخ القوية، فتظل جاذبية الفساد هي المُهيمنة، فتتعطـّل كل القدرات والثروات وتصبح كل المواهب بلا معنى.
نحن في المملكة لسنا مختلفين عن غيرنا من المجتمعات الأخرى في العالم الثالث (على الرغم من تفاؤل الأمير خالد الفيصل بانتقالنا للعالم الأول بنظرياته التي يطرحها) .لدينا فساد يعيق مراكبنا الإصلاحية، ويُعرقل محاولات النهوض التي نقوم بها أحيانا، ويحدّ من قدرتنا على استثمار ثرواتنا الضخمة ومواهب شبابنا . وما حصل بعد سيول جدة كشف الكثير من المستور، وأرانا أحد مراكبنا الإصلاحية ، وهو في سفوح ودياننا يعلوه الصدأ وتشدّه الجاذبية نحو التراب . وفجأة، وكما لاحظنا جميعا، انطلق به ذلك الصاروخ الإصلاحي القوي الذي أطلقه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله ، حين كوّنَ لجنة التحقيق للبحث والتقصي وكشف ملابسات الكارثة وتحديد المُتسببين ، بلغة قوية وعزم أكيد (كائنا من كان) ، فحمل ذلك الصاروخ تلك المركبة الإصلاحية نحو الأعلى باتجاه مدارها، وكان ، كما هو واضح ،هو الصاروخ رقم (1) في سلسلة صواريخ التتابع لهذه المركبة الإصلاحية.
وكما قلنا ، فالصاروخ الواحد لا يمكن أن يظل فاعلا قويا طيلة المسافات الطويلة كي يحمل المركبة الثقيلة مُواجها بها جاذبية الفساد القوية . إذ لابد أن تنتهي طاقته، فتبرز الحاجة لصاروخ آخر ، كما هي العادة في أسلوب حمل المراكب الفضائية. وهنا يتضح لنا سبب عدم وصول بعض المحاولات الإصلاحية لنهاياتها، فالسبب أن صواريخ الدفع لا تتتابع فتغلب العوائق والصعوبات . ولذلك فقد ابتهجتُ جدا لصدور الأمر السامي الكريم ، الذي نشرته الصحف المحلية أمس ، بإحالة نتائج التحقيق إلى "هيئة الرقابة والتحقيق" و"هيئة الادعاء العام" ، لأن ذلك ، كان كما هو واضح ، هو الصاروخ رقم (2) الذي لابد منه ليحمل مركبة الإصلاح نحو مدارها ، بعد انتهاء طاقة الصاروخ الأول.
إنني متفائلٌ بأن صواريخ العدالة ستـُمارس مهمتها في سباق التتابع لتحمل تـلك المركبة الإصلاحية نحـو مـدارها، ومن المؤكـد أنها حـين تصل للمدار وتتخلـّص من قوة جاذبية الفساد ، فستكون مسيرتها سهلة سلسة بعد ذلك ، كحال المراكب الفضائية حين تصل لمداراتها . ومتفائلٌ كذلك بأن مـا حصل هو بدايات لسلسلة من (صواريخ العدالة) ، سيؤدي إطـلاقها وتتابعها، بمشيئة الله ، لإيصال مراكب الإصلاح لمداراتها السليمة ، لنـُعزّز بذلك مسيرتنا الإصلاحية التي هي الشـرط الأول لكل نهضة وتقدم.
هل تـُلاحظون تلك المسـاحات الخضراء التي تتواجد أحيانا في منازلنا ومياديننا؟ وهل تـُلاحظون كيف أن بعضها يظل جميلا بهيجا رائع الشكل واللون ، بينما بعضها الآخر يذبل وتغزوه النباتات الطفيلية والأعشاب المتسلقة ،ثم تتغلب عليه فيتحول المشهد إلى مجموعة من الغرز العشبية السيئة الشكل والملمس...؟؟ المسارات الإصلاحية هي الأخرى هكذا... تحتاج ،كي تستمر وتتطور، إلى العناية والملاحظة والمتابعة ، وتخليصها ، بين كل وقت وآخر ، من كل نبتة طفيلية انتهازية ، وإلا تحوّلت من مسارات إصلاحية سلسة معبدة إلى مسارات ترابية مليئة بالحفر والمطبات.
هذا العشب الجميل الأخضر الذي بدأ يظهر، لابد أن نشجعه ونحرسه ونحافظ عليه ونسقيه بالماء العذب ، ونخلصه من الشوائب .وهذا أمر لابد منه ، إذا أردنا أن نحوّل ثرواتنا ومواهب شبابنا إلى نـِعَمٍ نستمتع بها ، وليس نقماً تكون نقصاً ووبالاً علينا.