لم يكن يدور بخلد القائمين على مؤسسة الفكر العربي أن بحثهم عن أسباب ضعف وتدهور اللغة العربية في البلدان العربية سيكشف نتائج لم تكن في الحسبان، حيث أوضح استطلاع عن معرفة جيل الشباب بالأدباء العرب ومدى معرفتهم بهم، عن عدم سماع الشباب بغازي القصيبي بنسبة 57%، إذ قالوا: لم نسمع به!".

بحث المؤسسة الذي كان بعنوان "اغتراب اللغة أم اغتراب الشباب؟" والمتشعب في عدة فصول، غاص أحدها في اللغة العربية وآدابها في الكيان المعرفي للشباب لمعرفة ما إذا كان المجتمع يعاني من فجوة معرفية أبقته في دائرة التابع، المتلقي، المستهلك، غير المستفيد من موارده الطبيعية والبشرية وجعلته غير عابئ بإنتاج المعرفة بلغته العربية إلا في مساحات اجتهادية محدودة.

الاستطلاع طرح مجموعة من الأسئلة على الشباب لاستقراء مدى معرفتهم بلغتهم وآدابها وما يقتنونه من كتب، وفي محاولة افتراضية من مؤسسة الفكر العربي وضعت قائمة تضم 27 أديباً وأديبة لقياس معرفة الشباب بهم ومدى اطلاعهم على هؤلاء الأدباء لتأتي نتائج الاستطلاع بشكل "أدهش القائمين عليه"، حيث قسمت تلك الاستطلاع إلى ثلاث جبهات أولها "معرفة واسعة"، والثاني "لم أسمع به"، والأخير "لم أقرأ له".

وجاء في الجدول الأول المخصص لخانة "المعرفة الواسعة"، إلى صدارة ثلاثة شعراء من عصور زمنية مختلفة من الجاهلية والعصر العباسي والعصر الحديث، حيث تقدم الشاعر أحمد شوقي طليعة الأدباء الذين يعرفهم جيل الشباب وبنسبة 38.8%، يليه عنترة بن شداد بنسبة 27.8%، بينما حل المتنبي ثالثا بنسبة 24.3%، فيما تذيل الترتيب وداد سكاكيني بنسبة 0.4%، وأدونيس بنسبة 1.9%، واحتل غازي القصيبي المرتبة العشرين بنسبة 3%.

وأوضحت نتائج الاستطلاع أن تمكن شوقي من اعتلاء القائمة يعود إلى شاعريته المتجددة وغناء محمد عبدالوهاب لقصائده، وهو ما أعطاه بعداً للانتشار وتعلق اسمه في الأذهان، بينما جاء وجود الشاعرين عنترة والمتنبي بسبب انتشار أخبارهما على ألسنة "الحكواتية" في المقاهي الشعبية، في مراحل ما قبل التلفزيون ووسائل الإعلام الحديثة وتجسد سيرهما في أعمالهما البطولية بأفلام سينمائية، وإدراج بعض نصوصهما الشعرية في مراحل مختلفة من المناهج التعليمية في الوطن العربي.

وبينت الدراسة أن المناخات والعطاءات الإبداعية لكل من عبدالرحمن منيف وغازي القصيبي في النثر الجميل والرواية والدراسات الأكاديمية لم تشفع لهما بالحضور في النتائج بشكلٍ جيد، فبالرغم من توفر نتاجهما المطبوع بالحصول على بطاقة تعريف تمكنهم من دخول دائرة اهتمام الشباب، إلا أن ما قدماه لم يشفع لهما بذلك.

وبينت نتائج الاستطلاع أن هذا المؤشر حمل جملة ملاحظات، أبرزها انصراف جيل الشباب إلى الاهتمام بالمرئي والمسموع والإنترنت، وابتعادهم عن مطالعة الأعمال الأدبية إلا ما انتقل منها إلى الفيلم السينمائي أو المسلسل التلفزيوني أو ما بقي عالقاً في الذاكرة من نصوص مقررة اعتمدت في مناهج الدراسة.

وشكل الجدول الثالث للدراسة المتمثل في خانة "لم أسمع به"، ظاهرة الجهل بنتائج مجموعة من الأدباء فالنسب الأعلى للأدباء الخمسة الذي تصدروا قائمة "لم أسمع به" كالتالي: وداد سكاكيني بنسبة 67.3%، وزكريا تامر بنسبة 66.5%، وبنت الشاطئ بنسبة 59.7%، وغازي القصيبي بنسبة 57%، وجابر عصفور 56.5%.

وأشارت نتائج الاستطلاع إلى انخفاض نسبة القراءة بين العرب عموماً، إذ بينت بعض الدراسات التي قارنت متوسط ساعات القراءة عند العرب والأوروبيين فجاءت النسبة في صالح الأوروبيين حيث يشكل متوسط قراءتهم حوالي 200 ساعة سنوياً، بينما تنخفض هذه الساعات وتتقلص إلى 6 دقائق سنوياً للفرد العربي.

وبين البحث، أنه بقراءة نتائج ما يتصل مباشرة بمطالعة الكتب ذات الطابع الفكري العام عن اللغة العربية وآدابها بدا أن حب المطالعة عند الشباب بلغ ما نسبته 56.3%، ونسبة عدد الكتب ذات الصلة بالعربية في المكتبة الشخصية قليل جداً.

وعزا البحث أسباب هذه النسب الضئيلة إلى عدة أمور لا تنحصر بالرغبة الشخصية أو عدمها لدى الشباب فقط، بل إن العوامل المانعة كثيرة، ولعل أبرزها تأثيراً في هذا تراجع الكتاب أمام التزايد السريع للفضائيات والإنترنت وغياب التوجيه التربوي في هذا المجال، إضافة إلى عوامل أخرى منها البطالة المنتشرة بين الشباب وما يصاحب ذلك من فقر يجعل الكتاب خارج الأولويات المطلوبة في الحياة اليومية.