ولد الدكتور مطلب في زمن لم يكن فيه البريق للمناصب، بل للمعنى، فاختار طريق الفكر القانوني، وراح يشق طريقه بهدوء العارف، لا ضجيج فيه ولا لهاث وراء الضوء، بل عزم لا يعرف التردد، وهمة تشبه السكون العميق الذي يسبق التحولات الكبرى. لم يكن القانون بالنسبة له حروفًا جامدة في دفاتر النظم، بل روحًا تسري في جسد الدولة، توازن بين القوة والحق، بين السلطة والمسؤولية، بين الدولة ككيان، والمواطن كغاية.
كان يخطو في ممرات الإدارة السعودية لا كموظف ينتظر التعليمات، بل كصانع قرار لا يحب الشهرة، ولا يغريه التصفيق. وإذا تحدث، تحدث بوزن، فكلماته تأتي محسوبة كأنها تختار من بين آلاف المعاني، لا تطلق عبثًا، ولا تهرب من سياق. كان يؤمن أن رجل الدولة لا يقاس بصوته العالي، بل بثقته الصامتة، تلك التي تبني ولا تهدم، تصلح ولا تفجر، تنصت ولا تتبجح.
هو أشبه بالشجرة التي لا تفاخر بظلها، لكنها تعطيه لكل من يقترب، وأشبه بالنهر الذي لا يحدث الناس عن منبعه، لكنه يرويهم بلا شرط. ظل طوال مسيرته في قلب الدولة، وفي ضمير الدولة، وفي عقلها الذي يزن قبل أن يحكم، ويتأمل قبل أن يقرر. لا غرابة أن يكون من القلة الذين إذا غابوا لم تغب آثارهم، وإذا غادروا موقعا، ظل أثرهم فيه وكأن المكان لا يزال ينبض بعقلهم.
الدكتور مطلب النفيسة ليس حكاية تروى عن منصب، بل سيرة تروى عن رجل. رجل عارف بمحدودية القوة دون حكمة، وبعبث القانون إن لم يسكنه ضمير. وفي زمن تشابكت فيه المصالح، وتعالت فيه الأصوات، بقي هو كما هو، صامتا حين يكون الصمت حكمة، حاضرًا حين تكون الكلمة أمانة، واثقًا من أن خدمة الوطن لا تحتاج استعراضًا، بل وعيًا، وإخلاصًا، وصبرًا يشبه صبر القدامى الذين يعرفون أن البناء لا يتم في يوم، وأن البذرة لا تنبت في عجالة.
وها نحن اليوم، في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتشابك فيه الطرق، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استحضار قيم الكبار، إلى أن نتعلم من هدوئهم كيف يصنع الأثر، ومن صبرهم كيف تكتب الصفحات الخالدة في سجل الأوطان.