أحب – بل يلزمني- أن أكشف لك بادئ ذي بدء عن موقفي من هذه المجموعة لأنه يمثل لي تجربة خاصة لم تمر بي من قبل، ولأنه - فوق ذلك يحملني على تأمل قضية فنية عامة لا يخلو بحثها من متعة، قضية لقاء القارىء بالنص الأدبي- هل ينبغي له كي يحسن فهمه وتذوقه واستجلاء أسراره وغموضه أن يلم من سابق بشيء من سيرة المؤلف فيعلم خصائص بيئته ونشأته وثقافته وعقائده في مواجهة المجتمع والفن وارتجاجات معاناته للحياة والعواطف، أم ينبغي له لكي يخلص له الفهم والتذوق صرفاً أن يهمل هذا كله ويطرحه وراء ظهره ليتفرغ أتم التفرغ إلى النص وحده، باعتباره مخلوقاً له ذاتيته المستقلة التي يضر بها أن يضاف إليها شيء من خارجها وبخاصة إذا كانت هذه الإضافات نوعاً من الحكايات والنوادر المسلية التي لا تتورع أحياناً من الانزلاق إلى نشر المثالب والفضائح وجوانب الشذوذ التي كان يعاني منها المؤلف، سيفسد متعة القارئ ويزيغ بصره بحثه الدائب عن انعكاسات السيرة على النص.

وقد مالت بعض مدارس النقد الحديثة – وبخاصة في الفنون التشكيلية - إلى تحبيذ الرأي الثاني يريدون أن يكون لقاء القارئ بالنص لقاء مباشرا صميما، ثنائيا لا ثلاثياً، ووجدتني أحياناً أنجذب إلى هذا الرأي بل أتطرف إلى تحبيذ لقاء النص دون أن يسبقه- وإن تطلبت أن يلحقه- قراءة حكم النقاد عليه أنني أريد أن أرفع عن القارئ كل وصاية وإمساك بلجام لا توقيرا لحريته ونضوج رشده فحسب - بل لأن حياده في نطاق قدرة البشر - هو عندي مفتاح المتعة حين يتم اللقاء لا بين شخصين يحدد سمتهما على الأرض زمان ومكان، بل بين ذهنين مجردين يتلاقيان في سماء الرؤى وعالم الإيهام وهذه هي لغة الفن، ثم أرتد وأميل أحياناً إلى الرأي الأول وأنا واقف - مثلاً - أمام لوحة لفان جوخ سينتفي عنها التكتم وتفصح، لن تبقى اللمسات بالفرشاة تسجيلا لخطوط ، بل انتقاضات عذاب لا بد أن يمسك قلبك، لن تكون حدة الألوان انعكاساً عن الطبيعة بل انفجارات نفس كان لا بد لها أن تحترق؛ لأنها ملتاعة ظمأ وهياماً بالنور، نور الشمس ونور أفق يشرق على الإنسانية بالصفاء والمحبة والعدل.

أعود إلى موقفي من هذه المجموعة لقد سبق لي أن كتبت مقدمات لمجموعات من القصص القصيرة كثرت حتى أصبحت لا أعرف عددها، وصرت موضع تندر، فيقال كما يجلس العرضحالجي مأجوراً أمام باب المحكمة يتصيد كل داخل، جلست متطوعاً أمام باب القصة القصيرة، أفعل فعله، وإن لم يكن لي عذره، وكان جزائي اتهاما لي بأنني مالأت الجميع أحياناً بالكلام وأحياناً بالصمت، وأود أن أنتهز لحظتي هذه فلعلها الأخيرة لأبرئ نفسي من التهمتين.


اليوم ها أنذا وهذه التجربة الجديدة أكتب عن مؤلف لا أعرفه، لم أقابله من سابق، لا أعرف أي شيء عن حياته وإنتاجه. لم أصافحه فأعرف من لمسة يده قدرته على الإفصاح ليس لليد قناع كالوجه، لم أنظر إلى عينيه لأرى مدى استقراره ونوع حياته، لم أر ابتسامته لأعرف حلوة أم ممرورة أم مجرد قالب ثابت، ولكني بعد أن قرأت مجموعته مرتين أصبحت أعرف الإنسان وإن جهلت شخصه وشكله برزت لي صورته بأتم وضوح وجلاء، لم أعهدهما فيمن كتبت لهم وكنت أعرفهم، أبعد هذا دليل على أن الاتصال إنما يتم في عالم الفن عالم الرؤى والإيهام كما قلت كيف حدث هذا؟ لأن نغمة الصدق في هذه القصص بينة لا مراء فيها، الصدق من أجل الصدق وحده، لم يصل إلى الصدق عن طريق الصنعة احتذاء بقواعد الشكل المقررة، بل وصل إلى الصنعة عن طريق الصدق فالصنعة لا بد منها في الفن ولكن لا يزال الصدق هو السبيل الوحيد إليها، إنه لا يؤلف قصة تصيدا لموضوع أو زهواً ببراعة سرد حكاية مسلية، أو تلذذاً بالقدرة على الخيال، ويظل مهموماً بالترتيب الزمني أو التشريحي لأعضاء القصة، وإنما لتنفيث هموم تمتلئ بها نفسه وتنهشه حتى تكاد تمضي روحه، ومع الإفضاء برء مخادع لأن الداء مزمن غلاب، لم يقصد الترتيب فكوفئ في النهاية بدلاً من التشريب بأن واتته طواعية حبكة تقيم قصته في بنيان متكامل منسق ينبع ويصب بعضه في بعض - حبكة لا بد منها لكل عمل فني.

قرأت هذه المجموعة بشعور مزيج من الاستعبار والغبطة، الاستعبار لأنها ذكرتني بالقصة القصيرة عندنا أيام (المدرسة الحديثة) وكنت من تلاميذها، نشأت بعد هبة مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى، قالبها مستورد، لإثراء الأدب العربي ومجاراة أوروبا، كانت قصصاً واقعية اجتماعية مبعثها البحث عن التراث واستقلالها

القصة الحديثة لا تزال تشق طريقها ولم نهتد بعد إلى القالب الأمثل الذي تستقر فيه.

عجبت حين رأيت أغلب اعتراضاتي عن القصة الحديثة قد خفت وتحققت معظم آمالي لها في هذه المجموعة التي أقدمها إليك، فهي عندي خير مثل ننشده لمحاولاتها الوصول إلى النضج. حجم صغير، بل في أغلبها قصير جداً، تركيز شديد، لم يمنعها تتابع التقطع بسبب الجمل القصيرة المستقلة من تملك قدر لا بأس به من السيولة والتدفق لحنها شمولي، بعدها عن الافتعال فهي صادقة كل الصدق، نبعت كما قلت من هموم تنهش المؤلف الألفاظ غير مستمدة من المعاجم بل تحمل بصمات المؤلف وشحنة تعجب، كيف احتواها قالبها، تجاورت كلمات لم تتجاور من قبل، وتجمعت في اليد في نسق يبهرك أشتات لم تتجمع من سابق، ملك المؤلف أسلوبه الذاتي الذي يدل عليه ويميزه عن غيره، وهذا هو أعز مطامح، الفنان، ليس هدفها التسلية بل تناول قضايا يبدو أنها تلح على المؤلف إلحاحاً شديداً سنراها فيما بعد النظرة في الأعم إلى الداخل، (اللون والصوت والحركة في الخارج ليست جميعها سوى صدى حقيقي لما نحس هنا في أعماقنا رقصة الخبز والصمت). اهتمامها بالمشاعر إذن مثل أحداث العالم الخارجي. إنما لا تريد إخبارك وإعلامك بل رج شعورك إلى حد الإيلام، الجموع لديها تتناوب والفرد دور البطل، وأغلب الأفراد ليس لهم أسماء.

يصل إلينا بوضوح من تحت السطور صوت إنسان يحدثنا، ندرك أنه يعيش في بيئة صحراوية برمالها وجبالها وسيولها ويعبرها. ولأن النظرة هي إلى الداخل فإن نصيب هذه البيئة من التعريف قليل جداً، وكنت أتمنى للبيئة الجغرافية نصيباً أكبر من اهتمام المؤلف. كانت أمامه فرصة ضيعها للالتفات إلى عبقرية المكان أن بروز البيئات المحلية المتباينة هو الذي يبني للقصة العربية رقعتها الفسيحة، وندرك أن هذا الإنسان الذي يحدثنا وليس هو المؤلف بل وليد خياله - صاحب نظرة فاحصة تزهو بقدرتها على التغلغل في النفوس يكشف أسرارها، في أغلب الأمر يكشف عاهاتها، إنه يكشف الإنسان الخائف، الإنسان البخيل، الإنسان الأناني، يكشفهم جميعاً، هناك في داخله (قصة تموت وحدك) إنه منحبس داخل نفسه في مواجهة ضغوط المجتمع وزيفه ونفاقه وتعاسته، لا يجد هذا الإنسان مكاناً يتراجع إليه سوى دخيلة نفسه وهو في انحباسه داخل نفسه لائذ بالصمت، ليس لك وهو في كل الحالات التراجع الوحيد والهزيمة الفريدة التي لا يدركها الجميع ولكنها لا تحسب هزيمةً ولا تراجعاً.. الصمت.. الصمت.. ربما يكون في قليل من الأحوال منطلقاً لصرخة مدوية) سوی الصمت (قصة الخبز والصمت) وهو يتعذب لهذا الانحباس فنحن لا نفقد الأمل في خلاصه، انحصر دوره في مراقبة المجتمع والأفراد بعين صقر الصحراء، ثم - يا لمأساته؟ - لا يتمثل له الاتصال وممارسة الحرية إلا بارتكاب الخطيئة.

أما المأساة كل المأساة فهي مأساة ابن المجتمع الشاب الفنان الذي يؤمن بأن الفن هو أقوى سلاح لنقل هذا المجتمع من الجمود إلى الحركة، من الغيبوبة إلى الوعي، فلا يكون نصيبه إلا الصد والإعراض ويصاب بخيبة أمل تكاد تكون قاتلة.

ونرى هذا الفنان في صورة أخرى وهو يؤمن أن لا فن بلا حرية، وأن أبسط مظهر لهذه الحرية يتمنى أن يجده في مجتمعه هو قدرة الإنسان أن يقول ولو مرة واحدة لا! حتى في وجه أبيه. بجانبه أم لم تستطع طول حياتها أن تقول لا.

ألسنا نجد في هذا المجتمع الصحراوي كما صورته هذه المجموعة خلاصة كل المشكلات التي تعاني منها البلاد التي يتجاذبها القديم والجديد. الأصالة والحداثة.

هالني مقدار القتامة التي صبتها هذه المجموعة في قلبي، يكفي أن تقرأ مطلع قصة (يحكى أن) حتى تصدقني، بدلاً من الأمل الذي يرمز له بازدهار زهرة مرة كل عام. إذ بنا لا نرى إلا زهرة تذبل مرة كل عام، ما كل هذا اليأس.

ومع هذا قبلت هذا كله ورأيت هذا الصوت الذي يحدثنا عبر السطور يؤمن أن الإنسان لن يقدر النور حق قدره ويعشقه إلا إذا دفعته يد ليسقط في أعمق الآبار المظلمة، إلا إذا قيدته بالسلاسل التي تدمي معصميه ليدرك بعد حلها معنى الحرية. ليس التبشير مقصوراً على إعلاء شأن الفضائل بل على ذم الرذائل وإبرازها في أشنع صورة. إن نعيم الجنة يتراءى لنا في أتم بهائه إذا قرأنا وصف الجحيم وهول عذابه، ولا عجب فإن هذا الصوت يأتي من بلاد تؤمن بأن آخر الدواء هو الكي.

كم أتمنى لهذه النظرة المنصرفة كل الانصراف للداخل أن تتحول ولو نصف نصف إلى الخارج أيضاً، فتتجلى لها الطبيعة والناس غير محرومة كل الحرمان من بهاء الصورة التي فطرهم الله سبحانه عليها. أتمنى أن لا يكون أثر الاحتجاج صرخات حنق مولولة، لم لا يكون بدلها ابتسامة تعجب أو دعابة من عبث الأقدار وقسوتها، لم لا نترك للأمل باباً ولو موارباً. وهذه شيمة نفس حرة أبية متلهفة على الخير والعدل والطهر والسماحة. تأبى النفاق والحلول الوسطى. لا ترضى بالحسن دون الأحسن. آمالها تطلب الحدود القصوى وترفض حكم الواقع وطاقته، لأنه عجز وتسليم. إنها تئن أنين الثكلى حين ماتت في القلوب أنشودة الألفة الأبدية على حين يغرق بقية الناس في اللهو والأكل والشرب والنوم. إنني واثق أن المؤلف سيحقق أملي فيه، فهو يثبت لنا في قصته (الاتجاه شرقاً) أنه قادر على أن ينطق هذا الإنسان الذي يحدثنا من خلال السطور بالإيمان بالحياة والخير وقيمة الجهاد لنصرة الحق.

لا أدري كيف أشكر صديق الطرفين البعيدين على تعريفي بهذه المجموعة التي رجتني رجاً عنيفاً أخرجني من ركود واعتكاف، إنني أستخسر حقاً أن تمر هذه المجموعة دون أن تحظى بما هي جديرة به من اهتمام.

1977*

* من تقديمه مجموعة ( الخبز والصمت) لمحمد علوان.

* كاتب وروائي مصري «1905-1992»