العنوان أعلاه هو الشعار الذي اتخذه مجموعة من الشباب والشابات السعوديين لحملتهم الإعلامية معتمدين على (الميديا) لإيصال صوتهم، فازدادت وتيرة هذا الصوت ووصلت إلى الإعلام الجماهيري لتصبح "قضية رأي عام" هدفها المطالبة بتوظيفهم وبالتالي حل للبطالة التي يعيشونها.

منذ أعوام كانت شكوى الرأي العام تتمحور حول تعرّض خريجي وخريجات المرحلة الجامعية للبطالة، ولا سيما ممن هم في الحقل التربوي، إلا أن أمر البطالة اليوم نال أصحاب الدرجات العلمية العليا (الماجستير والدكتوراه) ممن حصلوا على درجاتهم العلمية من جامعات معترف بها داخل أو خارج المملكة في تخصصات مطلوبة وبعضها نادر؛ ليعيشوا حالة من "البطالة المقنّعة" التي تعني وجود خريجين مؤهلين لسوق العمل لكنهم لا يجدون أعمالاً تناسب مؤهلاتهم فيلجؤون إلى ممارسة أعمال أقل من مؤهلاتهم بكثير.

وشمول هذه البطالة المقنعة الحاصلين على الدرجات العلمية العليا ينبئ بخطر وطني في جانبه الاقتصادي والاجتماعي والفكري لدى مثل هؤلاء الشباب والفتيات، الذين يعيشون حسرة مبررة على سنوات النضال التي قضوها في التحصيل العلمي، وحين حققوا الحلم لم تكتمل الدائرة حيث اصطدموا بالواقع وخاصة أن بعضهم ليست لديه أي وظيفة يعيش منها، وإن وجد بعضهم وظائف أقل من طموحهم ومؤهلاتهم وهذا ما يشعرهم بمزيد من الاغتراب. إذ إنه من غير المنطقي أن يبقوا بلا عمل يتوافق مع تخصصاتهم ودرجاتهم العلمية، التي يفترض أن تؤهلهم للحصول على مهن في أعلى السلم سواء في الجامعات والمؤسسات الحكومية أو في القطاع الخاص، حيث إن بعضهم حصل على الدرجة العلمية بتفوق، وفي هذه الحالة يتنامى إلى ذواتهم شعور بأنهم الأقل فرصة والأدنى حظاً، وهو شعور مرير يجعل بعضهم يفكرون بحلول أخرى، حيث أصبح الحديث بين الشباب عن الهجرة خارج الحدود وترك الجمل بما حمل أمراً بدهياً هذه الأيام؛ لاعتقادهم بأمرين مهمين: الأول هو أنهم سوف يحظون بفرصة أفضل في دول ومجتمعات تهتم بالكفاءات.

والأمر الثاني هو شيوع تصور لديهم بأن واقع الحال لديهم لا يختلف عن حال زملائهم في بقية الدول العربية الخانقة للطموح.

والذين يعيشون هذا النوع من البطالة يتكرّس لديهم إحساس بأن الفرص كثيرة عن يمينهم وعن شمالهم، وهم غير مقتنعين بالأسباب التي تمنعهم من أن يحظوا بالفرصة الأهم في حياتهم، معتقدين أن أولها البيروقراطية الجامدة في بعض المؤسسات وخاصة تلك التي تعتمد بكثرة على وافدين من دول عربية على وجه الخصوص، يكونون فاعلين في لجان القبول ودراسة الطلبات وبالتالي يكونون هم الأكثر حرصاً على تطبيق اللوائح، التي تختلف من موقع لآخر بحسب الرؤية، حتى لا يحتل الشباب السعودي مواقعهم الحالية، هذا بالإضافة إلى أسباب أخرى تتعلق باللوائح، مما يجعل بعض المؤسسات ترفض المواطن السعودي وتتعاقد مع وافد متخرج معه في المؤسسة الأكاديمية ذاتها!

إن وجود عدد كبير من حملة الشهادات العليا عاطلين عن العمل ينبئ بأن الأمر سوف يتفاقم بعد عودة آلاف الدارسين خارج البلاد، الذين سوف يعودون والأمل يحدوهم بأن تكون الحياة بالنسبة لهم وردية فيما يتعلق بحصولهم على مهن يحققون من خلالها ذواتهم ويخلقون جهوداً جديدة في التنمية وفق الأسس العلمية التي تعلموها في أعرق المؤسسات العالمية.

أدرك تماماً أن خفض نسبة البطالة ليس بالأمر السهل، غير أن أمر البطالة بالنسبة لنا أشبه بدائرة من الطبيعي الدخول إليها كتجربة إنسانية على الأقل، في ظل ثقافة اجتماعية لديها محاذيرها فيما يخص عمل المرأة من جهة، وضغط متطلبات حياة الرجل من جهة أخرى، وكلا الأمرين يتم وسط منافسة ملايين الوافدين الذين يزداد مؤشر ارتفاع أعدادهم عاماً بعد آخر، وبالتالي ارتفاع أعمار السعوديين في الحصول على وظائف مناسبة لمؤهلاتهم، ورغم كل الجهود المبذولة بخصوص قضية البطالة، إلا أن تبعات القضية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي تحتم بذل المزيد من الجهود لإيجاد حل جذري، كي لا تنعكس المشكلة على الأجيال القادمة، وعلى المدى البعيد هناك حاجة لدراسة القضية من الصفر تقوم بها مراكز أبحاث متخصصة عبر دراسات ميدانية شاملة وبالتالي نستطيع الحصول على أرقام وإحصائيات لمعالجة المشكلة.

وبالتأكيد لن يكون حل هذا النوع من البطالة بالتوظيف كيفما اتفق، ولكن الأمر يحتاج لوقفة جادة حين نجد أن هناك عاطلين بشهادات عليا من جامعات عريقة وبتخصصات نادرة.. ألا يمكن لهؤلاء أن يحظوا بفرصة واحدة فقط يحققون من خلالها حلمهم الوظيفي؟