وأوردت الموسوعةُ العربية العالمية: «وللطلب المتزايد على فرائه، فقد أباد الصيادون هذا الحيوان من الأجزاء الغربية والجنوبية الغربية من مناطق وجوده في روسيا. ويُعتبر حيوان السمّور نادرًا في أي مكان يوجد فيه، ولهذا حُظر صيده عدة مرات في مواسم الصيد».
صفة السمور-إذن- التي أوردتْه المهالك هي الجرأة؛ إذ جعلته يخوض الصراع الدائم مع الإنسان، حتى وصل به الحال إلى أن يكون نادر الوجود، ومن ثم تحول الإنسان للدفاع عنه، بعد أن كان يحاربه. فما الذي جرى؟ هل توقف الصراع؟
أولًا: أورد سرفانتس في حكاية المستطلع الفاسد الرأي؛ حيلة الإنسان في اصطياد السَمّور؛ إذ قال إن الصيادين يضعون الطين في مسالك هروب السَمّور، فإذا رأى الطين توقف.
ثانيا: نجد أن سرفانتس يضع تعليلات لوقوف السمَّور، وهي أنه يفضل البياض على الحرية والحياة. لكن يأتي أمام سرفانتس سؤال الماهية للبياض والحرية؛ ومن ثم سيدخل في تقهقر الرؤية، ومتاهة الجدل.
ثالثًا: ما أطرحُه -هنا- مغاير لما قيل، وذلك باعتبار السمور فيلسوفًا، من جهة أن السَمّور لا يفضل البياض لذاته، بل يفضل لونه قبل التلوث بالطين، فلو كان أسود، لفضَّل السواد. وهنا نتذكر قول أبي العلاء المعري: «لا أعرف من الألوان إلا الأحمر؛ فإنني ألبست في مرض الجدري ثوبًا مصبوغًا بالعصفر؛ فأنا لا أعقل غير ذلك».
إذن أمامنا لحظة قَبْلِية هي مصدر ما بعدها، فإذا كان السَمّور-كما جاء في حياة الحيوان الكبرى- أجرأ الحيوانات على الإنسان، فإن هروبه لم يكن إلا وسيلة من وسائل الصراع مع الإنسان، وتوريطه باللحظة المتسخة، وهي الوجه القبيح من الصراع، ذلك الذي يريد الإفناء من أجل الوصول إلى غاية مطلقة. ومن هنا تتجلى لحظة وقوف السمّور أمام الطين/الاتساخ؛ إذ الطين رمزية أسطورية لخلق الإنسان، فكأن السَمّور أصبح محاصرا بإنسان قديم وإنسان حديث، وهذا دليل إضافي على جرأته في مواجهة الإنسان. وجهه أمام الإنسان القديم/الطين، وظهره للإنسان الحديث، إن هو اندمج في الإنسان القديم اتسخ، وإن هو اندمج في الإنسان الحديث مات.
وبما أن السمّور لا يعرف إلا الأبيض -كما أن أبا العلاء المعري لا يعرف إلا الأحمر- فإن وقوف السَمّور على لحظة البياض هي لحظة فاصلة بين الموت والاتساخ، تعرّي مشكلات الإنسان الأخلاقية.
وذلك ما جعل الصراع يتحول من صراع إنسان مع سمّور من أجل رخاء الإنسان واستهلاكه، إلى صراع إنسان مع إنسان من أجل ألا ينقرض السمّور.
ومن هنا يكون الطين/الإنسان؛ رمزا للصراع الخارجي، المعبر عما بعد النقاء/بعد تغير لون السمّور. ويكون التوقف رمزا للصراع الداخلي، المعبر عما قبل النقاء/ قبل تغير لون السمّور.
لهذا فإن وقوف السمور دعوة إلى العودة للأشياء في ذاتها، من جهة وجود الإنسان الشخصي، بعواطفه، ومشاعره المتفردة، تلك التي إذا جُرِّد الإنسان منها، صار وسيلة للمطلق بأي شكل من أشكاله، ومن ثم يدخل في حيز الحتمية، والجبرية، التي توقعه في مأزق الصراع المتسخ بقوة المطلق. وما لحظة وقوف السَمّور إلا دعوة منه بتأمل لحظة البدء في النظر إلى الأشياء التي تنقي صراعات الإنسان، وتخفف من غلواء حتمياته، وإيمانياته المطلقة؛ تلك التي دهورته وعجّلت بانقراض السمور. ولحظة الوقوف -عند السمور- هي سخرية من نسيان الذات التي تربط نفسها بذاتها. أما كيف ذلك؟ فبالمسافة بين الطين والإنسان.
الطين هي مرحلة الوجود الحسي، الذي يتسخ به وعي الإنسان؛ وما رمزية وقوف الإنسان مع السمور إلا تعبيرا عن قلقه الوجودي، الذي يصل بالإنسان إلى لحظات الانتحار، وهنا كان الإنسان- بتعليمات السمّور- يقف أمام مأزق أخلاقي، وهو ضرورة الارتقاء من المرحلة الحسية إلى مرحلة أخلاقية، وهذه المرحلة هي التي جعلت الإنسان يصارع الإنسان من أجل السمور، بعد أن كان يصارع السَمّور من أجل ملذاته، ومن هنا نلحظ أن صراع الإنسان من أجل السمور، لم يكن على قلب واحد، بل ظل الإنسان يدمر ويقتل ويستبد من أجل ملذاته الحسية، في مقابل تدافع إنساني آخر، وهذا يوضحه إيقاف السمور للإنسان على مفترق طرق؛ إما أن يبقى في مرحلته الحسية بلا ذات واعية، أو يختار ذاته في وجودها الأخلاقي، تلك التي تنشد الخير. وكأن السمور-من جهة أخرى- يحيلنا على تمثال من الطين، في إشارة إلى الفن والخلاص به من مأزق الوجود.
ولحظة الفن ستكون تعبيرا عن اجتماع الحسي والمجرد، وهي مرحلة الإيمان الفردي، الإيمان المتصوف، الذي تتقد به عاطفة متدفقة تجعله صديقا للسمور.