قبل أيام نشر مقال جميل في (الفورن بولسي) يتساءل أيهما أفضل في إنشاء الجيوش الأجنبية الجيش أم جهاز الاستخبارات ويقصدون الجيش الأمريكي أو (سي أي ايه)؟.

ووضع كتاب المقال حججا قوية لتبرير اختيارهم وفي الوقت نفسه وضعوا حججا معاكسة في أن المقارنة قد لا تكون عادلة بين الطرفين لاختلافات عدة، وسآخذ هذا السؤال من منظار منطقة الشرق الأوسط، وسأعرج على المقارنة التي وضعها الكتاب وسأضيف بعض النقاط التي أعتقد أنه إن يجدر ذكرها في أي مقارنة بين الجيش والاستخبارات.

السؤال ليس جديدًا، ونوقش سابقًا في مراكز الأبحاث، لكنه عاد بقوة مع الانسحاب الأمريكي الكارثي من أفغانستان، لماذا نجحت الاستخبارات الأمريكية في إنشاء جيوش أو قوات أكثر فعالية من الجيش الأمريكي، والاستخبارات نفسها التي دربت المجاهدين الأفغان وخططت لهم وأمدتهم بالسلاح ونجحوا، بينما الجيش الأمريكي اللامحدود الموارد وأكثر من 80 مليارًا تم صرفها والنتيجة كانت سيئة للغاية!.


قبل الإجابة، يجب القول إن المقارنة ليست بهذه البساطة، ويجب الأخذ في الاعتبار بعدة عوامل بعضها نوقش في المقال وبعضه سنناقشه لاحقًا، في البدء فإن المقارنة مختلفة لأن الطرفين لا يتشابهان، الاستخبارات الأمريكية عادة يكون تدريبها لمجموعات أو قوات ذات عدد محدود بينما الجيش الأمريكي يدرب لكي ينشأ جيش وطني كبير من الصفر، كما حدث في أفغانستان، وأيضًا مجال الحرية والمناورة مختلف، ففي الجيش أغلب الخطوات علنية بينما الاستخبارات مخفية، وحتى النجاحات والفشل في الجيش شبه علنية ومعروفة، بينما عمليات الاستخبارات قد تفشل دون علم أحد، والجيوش بطبيعتها بيروقراطية ولها تراتبية هرمية بينما الاستخبارات فيها مرونة في اتخاذ القرار نسبيًّا.

أعتقد أن الميزة الأكبر للاستخبارات تنبع من عنصر، فأولاً: سياسة الاستخبارات محلية تغير جلدها للتأقلم ولمناسبة كل بيئة وثقافة ومجتمع، فيما تضع الجيوش نظامًا شبه موحد للتدريب وبناء أي قوة وقد لا يناسب التغيير المكاني أو البشري والثقافي.

ثانيا: سياسة الاستخبارات في إنشاء الجيوش، سياسة أمنية ومتكيفة ولها القدرة على الاستجابة لتغيير الولاءات والتحكم بأوراق الضغط لأنهم بطبيعتهم يتعاملون في عالم متبدل الولاءات والمصالح، لذلك يضعون ذلك في الاعتبار، باختصار يعرفون كيف يلعبون الألعاب غير النظيفة مع متغيري الولاءات، عكس الجيش الذي يعامل الجميع بسواسية وتحت برنامج واحد يتسم بالولاء والشرف.

مشكلة الجيش الأمريكي في أفغانستان في معضلتين، أنه درب الجيش الأفغاني كجيش نظامي، كأنه أحد دول أوروبا الغربية، بينما هو كان يحارب طالبان كحرب عصابات، والمشكلة الأخرى أن الجيش الأمريكي لم يراع التاريخ الطويل والثقافة الأفغانية التي تغير الولاءات أكثر من الملابس.

ماذا كان يتوقع الأمريكيون من كثير من تجار الحروب وتجار المخدرات وحتى تجار الدين.

هناك اختلاف جذري بالتفكير وحتى طريقة التنفيذ بين الجيش والاستخبارات، فجوهريًّا الجيش يعتمد على الشرف والولاء الوفاء والتضحية، لكن الاستخبارات تعتمد على الاختراق والخيانات وتغيير الولاءات وإيجاد نقاط الضعف.

قد يقول قائل إن الاستخبارات في أصلها خرجت من رحم الجيش، مثل مكتب الخدمات الإستراتيجية سابقًا ومن ثم أصبحت الاستخبارات المركزية، لكن منذ ذلك الحين تغير التفكير 180 درجة في سي أي ايه، فتحول من عسكري إلى أمني سياسي، قد يجادل البعض ويقول إن بعض الجنرالات العسكريين أصبحوا رؤساء لـ(سي أي ايه)، وهذا صحيح، لكن بعد أن غيروا فكرهم العسكري دراماتيكيا، كان بعض العسكريين ينتقدون سابقا طريقة تفكير الجنرال بترايوس ويعجبون كيف صار عسكري وتفكيره مختلف عن العسكريين ويتحدث كأنه سياسي ولذلك بسبب اختلاف فكره، ولاحقًا أصبح رئيس سي أي ايه، إذن من البدء كان تفكيره مختلف عن العسكريين التقليديين.

حتى في الشرق الأوسط بدأت الاستخبارات من رحم الجيش، لكنها لم تشهد التغيير الدراماتيكي للتفكير السياسي الأمني كما في الدول الغربية مما أثر على أدائها، خصوصًا في عرب الشمال، فلا هي بقيت على شرف العسكرية ومبادئها ولا هي تغيرت للمجال الأمني المحترف.

على مستوى الشرق الأوسط هل يمكن تطبيق نفس المبدأ وهو (الاستخبارات لإدارة الصراعات)، الجواب حتى وإن كان نعم فإنه يحتاج تعديلات كثيرة ويواجه صعوبات، فكثير من دول الشرق الأوسط لا تفضل التعامل مع الاستخبارات الأمريكية بسبب سمعتها السيئة (لا يلامون)، بل يفضلون التعامل مع الجيش النظامي الأمريكي أو البنتاجون لأنهما أكثر استقامة، لكن بالمقابل الصراعات في الشرق الأوسط أغلبها صراعات أحزاب وطوائف ودول ومجتمعات مفككة، غير العدد الهائل من الجماعات المسلحة والحرب غير النظامية، لذلك فاستخدام الجيش النظامي يبدو صعبا على المدى الطويل، ربما في البداية يحتاج الوضع لنوع من تدخل الجيش النظامي لكن لاحقًا خصوصًا لبناء قوات والتأكد من فاعليتها وولائها أو متابعة الأمور فتحتاج للذراع الاستخباراتي ليكون المهيمن، هذا غير مشكلة تبدل الولاءات التي تعتبر مؤرقة للجيوش النظامية وتخرب البناء الهيكلي لأي قوة نظامية، بينما الاستخبارات معتادين على التعامل معه.

نتيجة تعدد الجماعات في الشرق الأوسط وتعدد وتبدل ولائها من الملاحظ أن الدول التي تتعامل معها تنشأ عدة أجهزة استخباراتية بدل واحد أو ما يسمى مجتمع الاستخبارات، كمثال إيران التي لديها وزارة كاملة بالإضافة إلى حوالي 5 وكالات استخباراتية أخرى، أما إسرائيل فلديها 4 أذرعة أساسية أمان والشاباك والموساد واستخبارات وزارة الخارجية، وتحتهما فروع عديدة، وتعددها ليس غريبا فأمريكا لديها 16 جهاز استخبارات أو ما يسمى مجتمع الاستخبارات.

وربما التعدد يفضي إلى التنافس والجودة، وأيضا التخصص ! وربما بعض الأحيان التنسيق.

الباحث لنجاح عمل أي من أجهزة الاستخبارات يجدها تملك عنصري المرونة والموارد، فالمرونة تجعلها أقل تعقيدًا وأسرع في اتخاذ القرار من التراتبية الهرمية التقليدية العسكرية كما في الجيش عادة، والموارد كمثال الاستخبارات المركزية الامريكية لديها جناح طيران خاص بها من طائرات دون طيار لتنفيذ عملياتها دون الاستعانة بالجيش حتى لا تدخل في تأخير وبيروقراطية.

عادة ما يكون هناك جدال دائما حول طبيعة دور الاستخبارات العسكرية في الجيوش لتدريب وصناعة الجيوش والقوات الأجنبية، وهذه نقطة أثبتت أحداث أفغانستان عدم دقتها، لأن استخبارات الجيش ما تزال عقلية عسكرية أكثر منها أمنية، وعادة يستلمها أحد الضباط ذو الخلفية العسكرية ويبقى في العادة محافظًا على مبادئ الجيش من شرف وولاء واستقامة، ومن المستحيلات في العرف العسكري أن يتم إعطاؤها لضابط أمني أو استخباراتي من خارج قطاع الجيش، وفي أغلب الأمثلة التاريخية تقل كفاءة عن الاستخبارات الأمنية، والبعض يتحجج أن طبيعة مهام الاستخبارات العسكرية تختلف عن الاستخبارات الأمنية وهذا صحيح تمامًا، لكن لو تكلمنا عن نفس المهمة وهي صناعة قوات أجنبية فالفارق واضح لمصلحة الاستخبارات الأمنية ربما هناك استثناء واحد.

في نهاية المقال أستطيع القول:

ـ أتفق إلى حد ما مع كاتبي المقال في الفورن بولسي أن الاستخبارات أكثر كفاءة من الجيش في إنشاء جماعات وقوات مسلحة أجنبية وتدريبها والتحكم بها، خصوصًا في الدول المفككة ومتبدلات الولاءات كأفغانستان والصومال.

ـ أعتقد أن هناك عدم واقعية بمطالبة الجيش بتدريب أناس تخالف كليا مبادئه وقيمه كجماعات وصولية متلونة مصلحجية متعددة ومتغيرة الولاءات كما يحدث حاليًا في كثير من حروب العالم وأيضًا تدريبهم كجيش نظامي في حروب غير نظامية.

ـ لنجاح الاستخبارات تحتاج الابتعاد قليلا عن الفكر العسكري والميل للفكر الأمني السياسي.

ـ تعدد وكالات الاستخبارات يعطي مرونة وتنافسًا وتخصصًا وتعددًا لمصادر المعلومة

ـ زيادة الموارد لأجهزة الاستخبارات عنصر أساسي لنجاحها، خصوصًا أن كثيرًا من حروب اليوم أصبحت غير تقليدية وصار دور الاستخبارات محوريا فيها.

ـ ربما المثال الأفغاني ليس مطابقًا كليًا لأمثلة الشرق الوسط لكنه يعطي فكرة لما يمكن عمله وتفاديه في مشاكل الشرق الأوسط

ـ نختم بمقولة شهيرة لثعلب السياسة الدولية هنري كيسنجر «ما يقرره القادة السياسيون، تميل أجهزة الاستخبارات إلى السعي لتبريره» وأضيف لتبريره وتفعيله أيضًا، وأحيانًا تريد جهة تعرف تتعامل بذكاء مع أكثر أناس اتساخًا وتقلبًا فطبيعة اللعبة الدولية والحياة السياسية ليست دائمًا ناصعة.