لم يكن الإقصاء الذي عانته المرأة السعودية على مدى عدة عقود يختص فقط بتعليمها وقيادتها للسيارة وحصولها على أبسط حقوقها، بل طال كذلك دورها حتى في الطقوس الاجتماعية والمناسبات، ومن ذلك ما عرف على الأخص في المناطق الشمالية من المنطقة من كونها «حاشي الدحة» بكل الأهمية التي كانت تكتسبها من لعبها هذا الدور.

أهازيج حرب وفرح

عرفت الدحة بأنها أهازيج وأصوات وحركات كانت تمارس في عدة مناطق من شرق المتوسط مثل النقب في فلسطين والأردن وشمال المملكة وبعض الدول الخليجية وبوادي سورية والعراق وحوران، إضافة كذلك إلى شبه جزيرة سيناء.


ويشيع العامة أنها رقصة حرب بدأت في معركة ذي قار بين العرب والفرس، غير أن الكتب التاريخية المعتمدة لم تذكرها.

وكانت الدحة نوعا من الطقوس التي تهدف إلى بث الرعب في قلوب الأعداء، أو للاحتفال بالنصر بعد المعركة، وتشبه إلى حد كبير زئير الأسود أو هدير الجمال، وهي تنفرد بجمعها أكثر من فن مثل الشعر واللعب ورقصات الحرب وغيرها.

ومورست الدحة دوما قبيل الحروب لإثارة حماسة أفراد القبيلة، كما مورست بعد نهاية المعارك لوصف ما جرى فيها من بطولات، لكنها اقتصرت في الفترات الأخيرة على مناسبات الأعراس والأعياد والاحتفالات.

نشأة وأداء

يتداول كثيرون أن نشأة الدحة جاءت بعدما شاهدت إحدى قوافل الحج، وكانت قليلة العدد، لصوصاً يراقبونها، فخافت منهم، واتفقت على أن يقوم أفرادها بالتصفيق وإصدار أصوات كهدير الجمال ليوهموا اللصوص أنها كثيرة العدد، وفعلا نجحت الخطة، لتنتشر الدحة كطقس شعبي.

وتؤدى الدحة بشكل جماعي، وتتنوع قصائدها من المدح والفخر إلى الذكر وحمدالله والفرحة والغزل.

وهي تؤدى بأسلوب قصصي لسرد ما جرى في معركة، أو وصف ديار أو هجاء أو مدح.

وتأتي حركة الدحة في آخر القصيدة، ويستعمل التصفيق كلون إيقاعي، حيث تمتاز بالحماس في أدائها الحركي، ويسمى شاعر الدحة بالبداع وقصيدة الدحة تعرف لدى الآخرين بالبدعة.

صفوف الدحة

يقول رئيس النادي الأدبي في الحدود الشمالية ماجد بن صلال المطلق «تنتشر الدحة في شمال المملكة، كما تنتشر خارج المملكة في الأردن والعراق وفلسطين والكويت مع اختلافات بسيطة، وهي لأغلب قبائل الشمال مثل قبيلة عنزة وقبيلة الرولة وقبيلة بني عطية وغيرها من القبائل».

ويضيف «الدحة مسرحية شعرية تتكون من مكان اللعب، وهو ما يسمى بالمصنّع، والرواديد، والشاعر، والحاشي، والرابط».

ويتابع «الرابط هو من يمنع دخول الحاشي إلى ساحة اللعب، وبكل تأكيد فإن حاشي الدحة يعد جزءا أصيلا من مكوناتها».

ويكمل «تكون صفوف الدحة مجموعة رجال مكونة من 10 أو 20 شخصا أو أكثر يرددون:

هلا هلا به يا هلا لا يا حليفي يا ولد

أو

هلا هلا به يا هلا لا يا صدق فويهك يا ولد

وتردد هذه العبارات باستمرار وحتى نهايتها ويصمتون، عندما يبدأ الشاعر بقول قصائده، ومن ثم يعيدون ترديدها، ويكون هناك شاعر أو اثنين في كل دحة يمدح كل شاعر منهم قبيلته، وربما أحيانا يلجأ إلى الهجاء».

الحاشي بين الصفوف

يواصل المطلق «تأتي حاشي الدحة بين الصفوف حاملة سيفها، والحاشي سيدة أو فتاة، تكون واثقة من نفسها، ولديها قوة شخصية، فتقف عند حلبة اللعب يمسكها أحد الرجال، ويسمى ذلك بربط الحاشي، فلا يتركها حتى يمدحهم الشاعر، ومن ثم يتركها، وتنطلق الحاشي إلى ساحة اللعب بسيفها، ويبدأ الشاعر بمدحها، ومدح أهلها وقبيلتها وأخلاقها، وإذا كانت كاشفة وجهها يمدح الشاعر جمالها، ومن ثم يقول الشاعر كلوا حاشيكم، وتبدأ حينها صيحات الصفوف، ويبدأ صوت الدحة المعروف الذي يشبه زئير الأسود ويزداد الحماس والصوت والصفقات، إلى أن تستمر على وتيرة واحدة، ومن ثم يبدأ يتبارز الشاعر مع حاشي الدحة بالسيف، ومن ثم يهدئ اللعب، وتنسحب الحاشي، ويأتي شاعر آخر وحاش آخر».

دور المرأة

يفصّل المطلق دور المرأة في الدحة، ويؤكد «كان دور المرأة في الدحة بث الحماس والتشجيع، ولتثبت أن لديها القدرة على مواجهة الرجال ومقاومتهم ومجابهتهم مجابهة الند للند، ولإثبات أنها قد تتفوق على الرجل، ولإبراز شجاعتها وقوتها في مواجهة الأعداء وحماية الأرض».

ويضيف «يكون اختيار حاشي الدحة، وهن السيدات المعروفات اللواتي يمتلكن قوة الشخصية، ولديهن القدرة على مجابهة الرجال، ويمتلكن مهارات المبارزة بالسيف، وهذه الأشياء لا تتوفر لدى كل السيدات».

نهاية حضور

يشدد المطلق على أن الدحة لم تختلف حاليا عما كانت عليه سابقاً إلا بزوال الحاشي منها، ويقول «أذكر أنني شاهدت حاشي الدحة لآخر مرة بين عامي 1960 و1964، وثم اختفى، ولم أعد أشاهد الحاشي في ساحة اللعب في وقتنا حاليا، وإن كنت قد شاهدته في بعض الفيديوهات المنتشرة عن الدحة في الأردن وفلسطين».

عناصر الدحة

المصنّع

الرواديد

الشاعر

الرابط

الحاشي

دور المرأة في الدحة

بث الحماس والتشجيع

إثبات قوتها وشجاعتها