لطالما رددنا العبارة المشهورة: "القيادة فن وذوق وأخلاق"، ولكن واقع اليوم يقول: "القيادة عشوائية وتهوّر وسوء أخلاق"، ولا أبالغ إن قلت إن الأمر وصل إلى حد الاستهتار والاستهانة بمفهوم الحياة سواء بالنسبة للإنسان نفسه أو بحياة الآخرين.

تشير بعض الدراسات والأبحاث إلى أن أكثر العوامل المسببة للحوادث المرورية هي "العنصر البشري والمتمثل في السائق، الذي له الدور الرئيسي في وقوع الحوادث، فخصائص السائق الثقافية والتعليمية والعمرية وخصائصه النفسية تلعب دوراً بارزاً في وقوع الحوادث".

ورغم أهمية الدراسات السابقة وندرتها في هذا المجال، إلا أنها لم تتطرق إلى الخصائص الثقافية للمجتمع، التي تفسّر سلوك القيادة وأسبابها، فغالبية الأبحاث والكتابات تركز على أسباب الحوادث من حيث عدم الالتزام بالأنظمة المرورية أو عدم تطبيق العقوبات والجزاءات على المخالفين لها.

فعلى سبيل المثال نجد أن أسباب الحوادث تتركز في السرعة الزائدة، أو قطع الإشارة، أو التجاوز الخاطئ، ولكن لا نبحث في أسباب هذه المخالفات، أو بمعنى آخر عدم معرفة الدوافع التي أدت إلى ارتكابها، والتي أرى أن جزءا كبيرا منها يتعلق بثقافة السائق نفسه والتي قد تكون سائدة في المجتمع بصفة عامة.

وبعبارة أخرى، الكثير من الناس يرتكبون المخالفات المرورية وهم يعلمون أنها مخالفات، وهم يعرفون أضرارها ومخاطرها أيضاً، ولكن لماذا يرتكبون هذه المخالفات؟.

قد يقول قائل:" إن هناك عوامل أخرى قد تجبر سائق المركبة على ارتكاب المخالفة، مثل تصميم الطريق، أو عدم توفر الإشارات المرورية، والتي تؤدي إلى ارتكاب المخالفة أو الحادث المروري"، وهذا الكلام صحيح على وجه من الوجوه، ولكن بماذا نفسّر قطع الإشارة عمداً ودون مبالاة، وبماذا نفسر أيضاً ظاهرة (التفحيط) في داخل النطاق العمراني، وكذلك ظاهرة الالتصاق بالمركبة الأخرى لإجبارها على الابتعاد، أو ظاهرة الدخول المفاجئ والمتعمد دون تحذير بالإشارة الضوئية، وكذلك ظاهرة السباق في الطرق السريعة؟ وليس هذا فحسب، بل وصل الأمر أن يقوم البعض بالاصطدام عمداً بالآخر!.

الظواهر السابقة في ذاتها مروعة ومخيفة، وأصبحت تشكل هاجساً مقلقاً لكثير من الناس، فما أحد في بيته إلا ويخشى على أهله وأبنائه ونفسه من أخطار الطريق والأمر يحتاج إلى وقفة ومراجعة من جميع فئات المجتمع ومؤسسات الدولة.

وللوصول إلى فهم أكثر لأنماط السلوك وطبيعة الثقافة الاجتماعية للسائقين والتي تميل إلى المخاطر والاستهتار بحياة الناس، لنأخذ على سبيل المثال (نزعة المغالبة) والتي تزيد في المجتمعات العربية، واعتبرها بعض علماء الاجتماع من القيم الأصيلة للعرب عموماً، وعليه قد نجد بعض السائقين لا يستخدم الإشارة الضوئية في المركبة عندما يريد تغيير مساره، لأنه يعتبر ذلك نوعا من عدم الشجاعة والضعف، وفي المقابل نجد السائق الآخر لا يعطي المجال لغيره في التجاوز ويزيد من سرعته، لأنه يرى أيضاً أن ذلك نوع من التحدي والتعدي على حقه لينشأ بعد ذلك التنازع بين الطرفين، الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى وقوع الحوادث.

ولنأخذ أيضاً ظاهرة (التفحيط) كمثال آخر، والتي تعتبر من ضمن أخطر المخالفات المرورية التي تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، ورغم وجود الأنظمة والقوانين الصارمة، وتحريم العلماء لهذه الممارسة، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت في ازدياد مستمر، وخاصةً في فئة الشباب والمراهقين.

ومن أهم الدوافع التي تؤدي إلى ممارسة التفحيط، يرى بعض الباحثين أنها تتمثل في حب الشهرة وإثبات الذات بالنسبة للمفحط، ويرى آخرون أنها تتعلق بما يسمى بالأحلام (الكيشوتية) عند الشباب لا سيما المراهقين منهم، والتي تدور حول الغرام والإعجاب، لذا فإن الشاب عندما يقوم بممارسة التفحيط فإنه يحاول أن يبرهن أنه جدير بالإعجاب، ولهذا يكثر التفحيط عند المدارس ومدارس البنات بالذات وفي تجمعات الشباب، ويحسب المفحط كل صرخة وكل تصفيق بمثابة هتاف له وتكريم لرجولته الجبارة!.

والجدير بالذكر أن كثيرا من الشباب والمراهقين يمارسون التفحيط من باب التقليد لأقرانهم أيضاً، فهم يرون أن أحدهم قد ذاع صيته بين الشباب بسبب التفحيط والجميع يتحدثون عن مغامراته وشجاعته وشعبيته، فيتأثرون بذلك ويمارسون التفحيط كمحاكاة له.

وعلى أية حال، وكما رأينا آنفاً، فإن هناك دوافع ثقافية واجتماعية ونفسية تقف وراء الكثير من المخالفات المرورية، تحتاج منا إلى وقفة لبحثها ودراساتها للوصول إلى حلول وإجراءات لمعالجة مشاكل ومخاطر الحوادث، وخاصةً أنها وصلت إلى حد الاستهتار والرعونة واللامبالاة بحياة الناس من قبل البعض للأسف الشديد.

إن الوعي بالمشكلة المرورية بجميع جوانبها بما فيها الجوانب الثقافية والاجتماعية مطلب ضروري لوجود حياة مرورية سليمة وآمنة، ومن هذا المنطلق أرى أن يتم تفعيل المحكمة المرورية، ليس من أجل النظر في ضبطية المخالفات من قبل رجال المرور فحسب، وإنما من أجل تحديد المسؤولية وراء هذه المخالفات أيضاً.

صحيح أن نظام المرور ولائحته التنفيذية قد تضمنا المسؤولية القانونية للحوادث وتحويلها حسب طبيعتها إلى المحكمة المختصة للبت فيها، ومن ذلك على سبيل المثال الحوادث الناتجة عن القيادة بحالة سكر أو ممارسة التفحيط، لكن في واقع الأمر يتم تجنب ذلك لأسباب عديدة منها تجنب الدخول في المتاهات القانونية لذا يتم في معظم الأحيان الاكتفاء بالصلح وتطبيق الغرامات فقط.

ولكن ماذا عن رعونة بعض السائقين وممارساتهم في الطريق، مثل التسابق والدخول المفاجئ، وأسلوب التخويف من خلال (حذف) المركبة على الآخر؟ كيف يمكن ردع أمثال هؤلاء؟

من المفترض أن تبدأ وسائل الضبط المروري والتدخل بصورة وقائية، لا أن تقتصر على التدخل بعد وقوع الحادث فحسب، لذا فإن المحكمة المرورية والمختصة بالجرائم المرورية، تعتبر إحدى الوسائل المهمة في سبيل تحقيق ونشر الوعي المروري وتحديد المسؤولية والإلزام بقواعد وأنظمة المرور.