الفتاة السعودية عملت طيارة، حيث لا يمنع النظام ذلك؛ ولهذا لم تحرج أحداً من المسؤولين بالسماح لها بقيادة الطائرة، وكأن لسان حالها يقول: بما أنني لم أحطم نظاماً أو نصاً شرعياً صريحاً، فأنا حرة أن أكون كما أريد

تناقلت صحافتنا المحلية خبرا مفاده؛ أن الدكتور محمد عبدالله المهنا، المتحدث الرسمي باسم مجلس الشورى، أوضح أن المجلس لم يتبن توصية تدعو للسماح بقيادة النساء للسيارات بالمملكة. وأوضح اللبس في الخبر الذي تناقلته وسائل الاتصال الاجتماعي والذي مفاده أن المجلس ناقش قيادة المرأة للسيارة خلال جلسته العادية الـ48 التي عقدت الثلاثاء الماضي، خلال مناقشته لتقرير لجنة النقل والاتصالات، المتعلق بتقرير الأداء السنوي للوزارة، للعام المالي 1433/1434.
وخلال جلسة المناقشة، تم طرح عدد من مداخلات الأعضاء حول تقرير اللجنة، ومن ضمنها مداخلة لإحدى العضوات، والتي أشارت فيها إلى موضوع السماح بقيادة المرأة السعودية للسيارة، وهو الأمر الذي يعد بعيداً عن مجرى النقاش، وعن اختصاصات وزارة النقل. وهذا ما أوضحه رئيس المجلس الدكتور عبدالله آل الشيخ، حين لفت نظرها إلى أن مداخلتها ليست لها علاقة بالموضوع المطروح للنقاش، وذلك حسب قواعد عمل المجلس، مؤكداً أن هذا الأمر لا يقع ضمن مسؤوليات وزارة النقل.
وذكر الدكتور المهنا: “إن ما رأته العضو من تقديم توصية إضافية، بشأن ما طرحته لا يعتد به، كونه مخالفاً لقواعد عمل المجلس بمادته الحادية والثلاثين، التي أكدت في فقرتها الثالثة على أن تكون التوصية ذات علاقة بالموضوع المعروض للمناقشة”. وكانت الجلسة العادية الـ48 شهدت مساجلة بين رئيس المجلس الدكتور عبدالله آل الشيخ، والعضو الدكتورة هيا المنيع، عندما طالبها خلال مداخلتها أثناء مناقشة تقرير وزارة النقل بعدم “تضييع الوقت”. بعد أن عرجت على موضوع قيادة المرأة للسيارة، وأوضحت ما تواجهه المرأة من صعوبات على أكثر من صعيد في مواقع مختلفة نتيجة عدم السماح لها بالقيادة، على رغم عدم وجود مستند شرعي أو نظامي يمنعها من ذلك.
وسأل رئيس المجلس سعادة العضو، عن علاقة التوصية بتقرير وزارة النقل، فأجابت: حرية التنقل للمرأة. فسألها مستفسراً منها: وهل منعت وزارة النقل ذلك؟ فردت: هذا التقرير الأقرب والأنسب. لكنه طالبها بالانتقال إلى نقطة أخرى حتى يستفاد من الوقت، وقال لها: تناقشين تقرير الوزارة الذي أمامك، فعلقت: عموماً قدمت توصية للمجلس بتوصية إضافية، لتمكين المرأة من قيادة السيارة، باعتبار أنه لا يوجد أي مخالفة شرعية أو نظامية، تعارض الشريعة الإسلامية، والأنظمة المعمول بها في البلاد.
وأرى بأن سؤال رئيس المجلس للعضو الكريمة، هو سؤال محوري ومهم، وبنفس الوقت يحمل وبشكل ضمني الجواب على استفسار سعادتها؛ والسؤال هو “وهل منعت وزارة النقل ذلك”؟ ولم تجب على سؤاله بشكل مباشر، وإنما أشارت إلى أن التقرير المطروح للنقاش هو الأقرب والأنسب لطرح موضوع قيادة المرأة للسيارة. ويبدو بأن العضو الكريمة، وتشاركها في ذلك زميلاتها العضوات الكريمات، كن متحمسات لنقل معاناة المرأة السعودية، جراء عدم تمكينها من قيادة سيارتها؛ وهذا دليل على كونهن خير ممثلات لأخواتهن المواطنات، وأمينات في نقل معاناتهن للمجلس، وطرحها للمناقشة والبحث عن حلول مناسبة ومرضية لها.
ولكن عدم تمكن بعض العضوات من فهم أنظمة ولوائح المجلس، يلقي باللوم، ليس عليهن فقط؛ ولكن أيضاً على إدارة المجلس، التي لم توصل لهن أنظمة المجلس ولوائحه الداخلية، وبالتأكد من تمكنهن من ذلك، ثم لومهن بعد ذلك على تجاوزاتهن لأنظمة ولوائح المجلس. وكان الأجدى برئيس المجلس وكذلك بالمتحدث باسم المجلس، ألا يبينا فقط للعضو الكريمة الخطأ الإداري التقني الذي وقعت فيه أثناء مداخلتها ومطالبتها بتضمين توصية لتمكين المرأة السعودية من قيادة سيارتها؛ ولكن أيضاً توجيهها التوجيه الإداري المتبع لطرح القضية التي تحمل همها. أي ليس من المقبول إخبارها فقط بالممنوع، وكتم المتبوع عنها، حتى تتمكن من طرح قضيتها في المكان والزمان والكيفية المناسبة لذلك.
ثم ما الداعي لتصريح المتحدث الرسمي باسم المجلس علانية للإعلام، عن ملابسات هذا الخبر؟! هل نعد هذا تنصلاً من المجلس وتبرئة لذاته من مناقشة مثل هذا الموضوع الذي يعد حساساً، مثلما فعل ذلك قبل عدة سنوات مع عضوه السابق الدكتور محمد آل زلفة؟! ليس هذا المهم؛ ولكن المهم، هو ما ذكرته العضو نفسها، حيث أوردت في نهاية مداخلاتها التالي: “... نتيجة عدم السماح لها بالقيادة؛ رغم عدم وجود مستند شرعي أو نظامي يمنعها من ذلك”. السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح على العضو الكريمة هو: بما أنه لا توجد أي مخالفة شرعية أو نظامية، تمنع المرأة السعودية من قيادة سيارتها؛ فما الداعي إذاً لطلب إباحة المباح، والسماح بما ليس ممنوعاً؟!
إذاً لماذا دوماً يتم إحراج مجلس الشورى! هنالك فتاة سعودية، حلمت بأن تكون طيارة؛ فذهبت ودرست الطيران خارج المملكة، وحصلت على رخصة قيادة طيران تجاري. ثم رجعت للمملكة وبحثت عن عمل فوجدته. وهي الآن تقود الطائرة، وتطير بها من أي مطار وإلى أي مطار في المملكة، كما أنها تحلق في سماء وأجواء المملكة قاطبة ولا يتجرأ أحد على منعها من ذلك. أي بأن هذه الفتاة، لم تجد نظاماً أو نصاً، يمنع قيادة المرأة السعودية للطيارة، فحلمت وعملت وطارت، ولم تأت لا إلى مجلس الشورى ولا لأي مجلس آخر لطلب الإذن منه، ليسمح لها، بأن تحلق مع نسور وطنها وفي سماء وطنها.
أي بأن هذه الفتاة الطيارة، عندما لم تجد نظاماً أو نصاً شرعياً يمنعها من تحقيق حلمها، حققته بنفسها، ثم بحثت عن عمل، وبما أنه ليس هنالك نظام أو نص يمنعها من قيادة الطائرة، تم توظيفها. وأنا متأكد جداً، بأنه لو حلمت فتاة سعودية بأن تصبح قائدة مركبة فضاء، وقدراتها الجسمانية والنفسية والعلمية تؤهلها لذلك؛ وذهبت لمركز الفضاء في أميركا أو روسيا، وقدمت على وظيفة هناك، واجتازت الامتحانات المطلوبة لقيادة مركبة الفضاء، وتم قبولها، وتدريبها وتخريجها، وتم ترشيحها لقيادة مركبة فضاء، لقادت المركبة، وهبطت بها على سطح القمر أو المريخ، ولن يمنعها أحد من فعل ذلك في السعودية؛ وقد تستقبل رسمياً وشعبياً في المملكة كبطلة، لأنه ليس هنالك نص أو نظام يمنع قيادة المرأة السعودية للمركبة الفضائية.
الفتاة السعودية عملت طيارة، حيث لا يمنع النظام ذلك؛ ولهذا لم تحرج أحداً من المسؤولين في الدولة ولا المجتمع، بالسماح لها بقيادة الطائرة. وكأن لسان حالها يقول: بما أنني لم أحطم نظاماً أو نصاً شرعياً صريحاً، فأنا حرة أن أكون، كما أريد أن أكون؛ ولا أكون كما يريدني الآخرون أن أكون. المرأة تعاني من قيود خارجية وقيود داخلية، كبلها بها الرجل، عبر عشرات القرون؛ ولن تتحطم لديها القيود الخارجية حتى تحطم هي بنفسها قيودها الداخلية؛ وبأن لا تطلب من الرجل تحطيم قيودها الداخلية، لأنه هو من كبلها بقيودها الخارجية، وهو وحده المستفيد من ذلك.