كل شعوب الأرض تخلد ذواتها بالفن وتؤرخ لحياتها من خلال الأعمال الفنية. المجتمع السعودي من أقل مجتمعات الأرض تحقيقا لهذه المهمة ومن الاحتمال الكبير ألا تجد الأجيال القادمة ما يذكّرها بأجيالها السالفة إلا المتاحف وكأننا لم ندخل بعد عصر الصورة

في رمضان 2004 وكعادة كثير من المدارس قررنا نحن مدرسي ثانوية الحائر أن نستأجر استراحة نفطر فيها ونقضي أمسيات رمضانية جميلة. في تلك الأيام كانت فتوى تحريم مسلسل طاش الصادرة من هيئة كبار العلماء توزع في المدارس وتصاحبها خطب ومحاضرات لنهي الطلاب عن مشاهدة هذا المسلسل والتحذير من أفكار القائمين عليه باعتبارها أفكارا مسمومة وتؤدي للمهالك. كانت الحملة مرعبة وكأننا في حالة طوارئ أو حرب، خطب ومنشورات وكلمات في الطابور. كان معنا في الاستراحة زملاء كرام من الذين كانوا يقودون الحملة في المدرسة وكانت لحظة ما بعد الإفطار لحظة اختبار مهمة. فالآن نحن مدرسي المدرسة في مواجهة الفتوى وطاش في ذات الوقت. من جهة لدينا المسلسل الأكثر جماهيرية وإغراء والذي لم يعد عملا فنيا بقدر ما هو جزء من الثقافة والشخصية لكثير من هذا الجيل، ومن جهة أخرى لدينا تحريم صريح يقول لنا لا تشاهدوا هذا المسلسل.
الغريب في كل هذا أن العملية محسومة سلفا لدى الغالبية، كان الخيار هو طاش بدون قلق. حتى الزملاء الذين شنوا الحملة على المسلسل كانوا يشاركوننا المشاهدة والضحكات والأوقات الجميلة. فلماذا طاش إذن؟
لا يخفى على الكثير أن كوميدية المسلسل العالية عامل جذب أساسي خصوصا إذا تذكرنا أن رمضان هو الشهر الذي يعتقد الغالبية أنهم يستحقون مكافأة مغربية بعد نهار من الصيام، حالة من الاسترخاء والرغبة في الاستمتاع لا يقدمها أحد كما يفعل طاش. أيضا لا يخفى أن اجتماعية المسلسل وعكسه لنبض الشارع عامل أساسي لمحبة هذا العمل. المشاهد السعودي حين يشاهد طاش لا يتابع عالما افتراضيا في استديوهات شركات الإنتاج بل يشاهد عالمه الخاص، يشاهد شارعه وعمله وقضاياه اليومية معروضة أمامه من وجهة نظره هو. في المسلسل انحياز كامل للمواطن، للفرد العادي في مقابل المسؤول أو الجهات الرسمية.
ما أريد الحديث عنه تحديدا في هذه المقالة هو جانب مهم في الفن عموما وفي مسلسل طاش خصوصا، وهو قدرته العالية على تقديم صورة واقعية عن المجتمع، أي تقديم صورة عن الذات، ومن منا لا يحب أن يشاهد ذاته على شاشة التلفاز.
ماذا نشاهد في طاش بجدارة وفي عدد من المسلسلات الأخرى بنسب متفاوتة؟ نحن نشاهد ذواتنا بشكل أو بآخر، نشاهد طفولتنا وشبابنا وآباءنا وأمهاتنا. نشاهد جزءا كبيرا من عاداتنا وتقاليدنا ومشاكلنا. نسمع لهجتنا وتعابيرنا اللفظية وانفعالاتنا. كل شعوب الأرض تخلد ذواتها بالفن وتؤرخ لحياتها من خلال الأعمال الفنية. المجتمع السعودي من أقل مجتمعات الأرض تحقيقا لهذه المهمة ومن الاحتمال الكبير ألا تجد الأجيال القادمة ما يذكّرها بأجيالها السالفة إلا المتاحف وكأننا لم ندخل بعد عصر الصورة.
لماذا يحب كثير من السعوديين شخصية أبو مسامح أو أبو هزار ونزار؟ باختصار لأنهم يمثلون جزءا مهما من شخصية الآباء. ما يدور مع أبو مسامح أو أبو هزار ونزار هو جزء مما حدث في تاريخ كثير من الأسر السعودية. تعامل كبار السن مع أسرهم خصوصا مع التغيرات الكبيرة التي حصلت مع الطفرة الأولى هو جزء مهم من تاريخ الأسرة السعودية ووجدانها، ومن المهم حفظه وتقديمه فنيا. المردود النفسي والاجتماعي لهذه الأعمال في غاية الأهمية والأثر، بل إنني أعتقد أن مثل هذه الأعمال تساعد على خلق هوية وطنية للمجتمع. لنتذكر هنا عبدالعزيز الهزاع وشخصية أم حديجان وكم مثلت هذه الشخصية من مشترك قوي لدى جيل سابق ربطتهم جميعا بعمل سعودي واحد يعكس جزءا من ثقافتهم وأرضهم وبيئتهم الخاصة.
من عوامل انفصام شخصية أي مجتمع ألا يرى ذاته فنيا. أن يغرق في متابعة عوالم غريبة عنه ولا يجد غيرها. من الإشكالات الكبيرة ألا يجد المشاهد السعودي في الشاشة إلا القاهرة أو نيويورك أو استديو يدعي أنه خليجي وهو بعيد تماما عن الواقع. كل شعوب الأرض تمارس تحقيق ذاتها من خلال الفن، تحفظ تراثها ولغتها وصورتها المتغيرة مع مرور الزمن. على سبيل المثال حين يقدم فريق طاش حلقاتهم المهمة عن الرياض القديمة عن طريق شخصيتي عليّان وسعيدان وأمهم وأبيهم والحارة التي يعيشون فيها وشخصية سواق الشيوخ التي يؤديها بشير غنيم. هذه الصورة في غاية الأهمية باعتبارها تنقل فترة مهمة من تاريخ الأسرة السعودية في المنطقة الوسطى ومن السهل جدا ضياعها من الوجود. الذي حصل مع طاش هو تخليد هذه الفترة وتقديمها للجيل الحالي وإشعارهم بامتداد حسي ومعنوي يربطهم بأجيالهم السابقة ويشعرهم بحضور ممتد مع الزمن.
ما يحققه طاش لنا هو متعة مختلفة، متعة في حضور ذواتنا أمامنا، متعة في إحساسنا بأن لدينا ما يستحق أن يمثل أعمالا فنية تضاهي الآخرين. طاش يقدم صورة سعودية مهمة بدأت تنقل للعالم العربي على الأقل جزءا من ثقافتنا وحياتنا الاجتماعية. فقداننا لأعمال فنية بهذا المستوى يعني خسارة كبيرة. دعونا نتساءل هنا: أين ستذهب الحارة المكاوية والجداوية بعد فترة من الزمن وهي الغنية بالكثير من القيم والمعاني والتاريخ البشري المديد؟ أين ستذهب صورة مجتمع الأحساء ومجتمع القطيف والأسرة الجيزانية المزارعة، أين ستذهب ذكريات بدو نجد والشمال وحاضرة حائل الغنية بالموروث. أين ستذهب الأسرة القصيمية وحواري المدينة المنورة وأهلنا الذين عاشوا لقرون في جبال عسير والباحة والطائف؟ أين ستذهب الحكايات التي ولدت وسط نخيل بيشة وشعاب نجران وقصصنا الطويلة في سهول الجوف وحفر الباطن وواحات الأفلاج والخرج ووادي الدواسر. في كل هذه الأماكن قصص جميلة وشخصيات تستحق أن نشاهدها ويشاهدها أولادنا. اليوم الطفل السعودي يعرف بالتفصيل حياة الحارة الشامية والحارة المصرية وربما الكويتية ولكنه لا يعرف عن تلك الحارة في وطنه الأم. طاش يوازن بشكل بسيط هذه المعادلة.