على الرغم من امتلاء تاريخنا الإسلامي والعربي بشخصيات كالمرأة التي عن '100 رجل'، لم يكن يسمع هذا الوصف، فرحلة عدم المساواة بين الجنسين بدأت تتطور عبر العصور وما زالت إلى يومنا هذا، نتيجة لظروف تاريخية ولّدته
وَلو كانَ النّساءُ كَمنْ فَقدنا
لفُضلتِ النساءُ على الّرجالِ
وَما التّأنيث لاسْم الشمسِ عَيب
ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ
فإن تفُقِ الأنَامَ وأنتَ ِمنهمْ
فَإن الِمسك بَعضُ دَمِ الغَزالِ
قالت لي صديقتي أمل، التي تعمل بالجارديان البريطانية، ذات يوم: الآن عرفت سبب اختلافنا الكبير، أنت امرأة لكن، عقلك عقل رجل، وتقصد بهذا طريقة تفكيري، فأنا لا أحب أن أتحدث بالهاتف كثيراً، لا أفهم ما وراء تغير الصورة أو الحالة في الواتس أب، وقس على هذا الكثير من الأمور التي تستفز أمل ولا تستفزني.
لأكون صريحة؛ ضايقني كلامها جداً وأحسست أنها استنقصت من أنوثتي الكثير، لكن في نفس الوقت أخذت أفكر، لماذا إذا كانت المرأة ملتزمة وجادة وعملية وعقلانية وحسنة التصرف، ننسب تصرفاتها للرجال، فبقولنا: إمراة عن مئة رجل أو بقولنا: بنت رجال، أو بقولنا: أنت المفروض أن تخلقي رجلاً وليس امرأة، وللأسف كل هذه الألقاب والأوصاف تعد مدحاً!
كيف يعقل أن يعد تجريدي من الأنوثة وما تختزله المرأة من قوة وصبر وتحمل وحسن إدارة وتدبير إلى كلمة رجل؟!
لا أعلم من أين جاء هذا الوصف المنتقص للمرأة والرجل معاً، برغم ما كان للمرأة من دورٍ مهم في حياة الرجل على مر التاريخ، فكل منهما يكمل الآخر، فكان للمرأة شأن وقيمة، حتى كلمتها مسموعة عند وجهاء القوم، فلم يكن يقتصر دور المرأة على تربية الأطفال والعناية بالأسرة وإعداد الطعام وجمع الحطب, وجلب الماء بالقربة على ظهور الإبل، بل هي من توقد نار الحرب وتطفئها، وقبل نشوب الحرب تستعرض القوات من هودجها على ظهر بعيرها، وإذا حمى الوطيس تذكي بزغاريدها الحماس للمقاتلين، فكانت هي أعظم أداة نفسية تستخدم في الحرب.
ويذكر التاريخ الكثيرات، ومنهن: خولة بنت الأزور، وهند زوجة أبي سفيان، وعمة الرسول، عليه الصلاة وأفضل التسليم، صفية بنت عبدالمطلب، التي بشجاعتها وحسن تصرفها أنقذت النساء والأطفال من هجوم اليهود عليهم في غزوة الخندق، فالتاريخ مليء بالنساء اللواتي يتفوقن على الرجل بالحكمة وبعد النظر، ونذكر منهن: بهيسة بنت أوس، التي أنهت حرب عشرات السنين بين قبيلتي عبس وذبيان، فحققت ما عجز الرجال عن تحقيقه، ولا ننسى هنا والدة الإمام أحمد بن حنبل، الذي توفي والده وهو صغير، والتي لولاها ما خرج لنا أحد أهم أئمة أهل السنة والجماعة. وهذا الإمام الكبير الحافظ ابن حجر، ربته أخته ست الركب، التي قال ابن حجر عنها: إنها قارئة، كاتبة، وأعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي، فمن أين أتى هذا الوصف إذاً؟
على الرغم من امتلاء تاريخنا الإسلامي والعربي بشخصيات كالمرأة التي عن 100 رجل لم يكن يسمع هذا الوصف، فرحلة عدم المساواة بين الجنسين بدأت تتطور عبر العصور وما زالت إلى يومنا هذا، نتيجة لظروف تاريخية ولّدته، فإن واقع المرأة الآن في العائلة والحياة العامة والمجتمع ليس متأصلاً في الطبيعة البيولوجية البشرية، فيمكننا تجاوزها حال توافر الشروط التاريخية البديلة، ففي القدم انعدم الاضطهاد أو الاستغلال في العلاقات الاجتماعية، بسبب انعدام الأساس المادي، فكان الجنسان يتشاركان في الإنتاج الاجتماعي، مسهمين في معاش الجميع وبقائهم. فدور كليهما الضروري للإنتاج، انعكس على وضعهما الاجتماعي، وعليه فإن سبب الخلل لدينا مادي بحت، تمادى مع المرأة وأخذ طابعا تعسفيا شرسا يشمل كل مناحي حياتها, الشخصية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأسرية, فجُردت من كل امتيازاتها، بصبغة ذات طابع مقدس، يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الواردة على ألسنة المشرعين الذين يحاولون التدخل في أدق التفاصيل الدقيقة لحياة المرأة، وفرض الوصاية عليها، بدايةً من طريقة لباسها إلى تقرير سقف إسهاماتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ليتحول إلى قوة قانونية ملزمة من السماء والأرض، تنتج لنا امرأة بـ100 رجل.