الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الخميس 21 مارس 2019, 0:41 ص

نقاشات


أسلمة العربية


2019-01-11 12:34 AM     

سراب الصبيح

«أسلمة العربية» أعنون المعضلة التي أشرع في الحديث عنها بهذا العنوان، وليست تراودني ريبة في أنني الأولى التي أتحدث عنها، فمما لا ريب فيه أنه يوجد من المفكرين العرب من تصدى لها باختلاف تسمياتهم لها.
أنطلق في الحديث عن هذه المعضلة من فكرة أن كل ما هو إسلامي عربي، وليس كل ما هو عربي إسلاميا، فالإسلام نزل باللغة العربية وليست الثقافة العربية نزلت بالإسلام! أي: أن الإسلام جزء من الثقافة العربية، لا العكس. وعليه، فإن منهج الإسلام متقولب في اللغة العربية، أما الثقافة العربية ولغتها، فهي متمددة خارج الإطار الإسلامي.
إن الثقافة العربية، بما فيها اللغة سابقة للإسلام، والإسلام نزل باللغة العربية. والمعضلة التي أتحدث عنها هي قولبة الثقافة العربية داخل المنهج الإسلامي!
إن توجها مثل هذا ينجم عنه هدم ثقافة كاملة، وليس هكذا فحسب، بل إنه يهدم البنية التحتية لهذه الثقافة، ذلك أن اللغة العربية غير معلوم حتى الآن كيف ومتى نشأت، ثم في قرن لاحق من بدايات تكوينها، نزل بها القرآن، وهو بذلك يكون جزءا من ثقافتها السابقة له، لكن ثمة توجه سار على غير ذلك، فقُوضت الثقافة العربية من جنباتها المتمددة خارج إطار المنهج الإسلامي، وصارت متقولبة به، حتى انقلبت الموازين فصار الإسلام ثقافة وصارت العربية بلغتها جزءا منه! وهذا ما ينعكس على بعض النصوص والمسميات كمسمى «لغة القرآن». ولا أعني بهذا المسمى ما يُذهب به على سبيل الفخر، فهذا خارج عن القضية.
إن معضلة كهذه ليست ملاحظة أزج بها جزافا والسلام. إنه توجه يتجذر في أعماق الثقافة العربية، ويترتب عليه معضلات تعود إلى المعضلة الأساس، أسلمة العربية، فمما يترتب عليه منهجة الفنون العربية الظاهرة بعد الإسلام على المنهج الإسلامي، بما في ذلك تهذيب الشعر أو الفنون أو الدراسات العربية على منهج الإسلام. وذلك يبدو بينا في بعض المسميات التي نقرؤها على نحو «العربية الإسلامية»، في حين لو كانت الموازين على نصابها لكانت «الإسلامية العربية».
ومما يترتب أيضا على هذا التوجه إقصاء كل ما هو غير إسلامي من الثقافة العربية. وأنا هنا أتساءل إذا كان هذا التوجه سليما، وبناء على فكرته سنقصي كل ما هو غير إسلامي، أليس حريا أن نقصي المتنبي من الثقافة العربية؟ فقد جاء في سير المتنبي أنه ما صام ولا صلى ولا قرأ القرآن، وعلى ذلك ينبغي إقصاء شعره غير الممنهج بمنهج الإسلام من التراث العربي!
إن معضلة أسلمة العربية تتجلى تحديدا في تقويض الثقافة العربية، فالثقافة العربية يوجد منها ما هو إسلامي، ويوجد ما هو غير ذلك، وهذا الأخير يكون جزءا كبيرا منها، من قبل نزول الإسلام، إلى بعد نزوله، إلى اليوم، وإلى غد. وهذا جزء كبير من العربية يصب في فنونها ولغتها.. وحري الاعتراف به كما هو وكما جاء عليه، لا قبوله بالشروط التي يفرضها منهج الإسلام عليه!
فليست الدعوة هي إقصاء الإسلام من الثقافة العربية، بل فهم أن الإسلام جزء من الثقافة العربية لا العكس. وكما أن الإسلام يتنفس الحرية داخل الثقافة العربية، في التمظهر بمنهجه، ينبغي أن هذه الثقافة تتنفس حريتها في التمظهر بشكلها العربي، لا أسلمة عربيتها أو رفضها.

Instagram
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.